لا تدخل الجيوش الكبرى المناورات العسكرية بحثاً عن الاستعراض، بل لاكتساب الخبرة واختبار العقيدة القتالية وفهم طبيعة الحروب المقبلة، ومن هنا يمكن قراءة مشاركة الجيش العربي السوري في مناورات “إيفس-2026” في تركيا بوصفها خطوة استراتيجية تتجاوز بعدها التدريبي، وتعكس انفتاح المؤسسة العسكرية السورية على أحدث مدارس القتال الحديثة.
للمرة الأولى منذ التحرير، يشارك الجيش العربي السوري في مناورة دولية خارج الحدود ضمن واحدة من أكبر التدريبات العسكرية متعدّدة الجنسيات في المنطقة بمشاركة 52 دولة، بما يفتح المجال أمام الاحتكاك المباشر بالعقائد العسكرية المختلفة والاطلاع على التحوّلات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة.
وفي الحسابات العسكرية، فإن الجيوش التي خاضت حروباً طويلة لا تكتفي بخبرتها الذاتية، لأن العلوم العسكرية تتطوّر بوتيرة متسارعة، لذلك تبدو مشاركة وزارة الدفاع السورية في “إيفس-2026” جزءاً من رؤية تدمج بين الخبرة القتالية التي راكمها الجيش السوري خلال سنوات الثورة، وبين التقنيات والتكتيكات الحديثة في ميادين القتال المركب.

فالجيش العربي السوري لم يأتِ إلى إزمير باعتباره جيشاً يبحث عن تعريف لنفسه، بل كقوة عسكرية فرضت حضورها في أكثر البيئات القتالية تعقيداً خلال السنوات الماضية، وخلال عام ونصف فقط بعد التحرير، استطاعت المؤسسة العسكرية السورية إعادة تثبيت معادلات السيطرة والسيادة على الأرض، والحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية، ومنع الانهيار الكامل للدولة رغم حجم الضغوط الإقليمية والدولية والتحدّيات الأمنية والاقتصادية.
ولعل ما يلفت الانتباه أن كثيراً من التقديرات ووسائل الإعلام الغربية نفسها أقرّت بقدرة الجيش السوري على التكيّف السريع مع أنماط الحرب غير التقليدية، ففي تقرير نشرته مجلة “ميليتاري ووتش” الأميركية في كانون الثاني 2026، أشارت المجلة إلى أن “الجيش السوري أظهر قدرة متزايدة على إعادة تنظيم وحداته القتالية ورفع فعالية العمليات المشتركة في زمن قياسي”.
كما اعتبرت صحيفة “ذا كرادل” الأميركية في تقرير خلال شباط 2026 أن “دمشق نجحت في الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية رغم سنوات الاستنزاف الطويلة”، بينما تحدّثت وكالة “رويترز” في تقارير تحليلية سابقة عن أن الجيش السوري تمكّن من “استعادة المبادرة الميدانية في أكثر من جبهة معقّدة بفضل مرونة تكتيكية عالية”.
ولا تنفصل أهمية “إيفس-2026” عن مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية على أسس حديثة، بعدما أطلقت وزارة الدفاع عملية تقييم شاملة للضباط عقب توحيد التشكيلات ضمن هيكلية واحدة، بالتوازي مع تأسيس هيئة استشارية تضمّ ضبّاطاً ذوي خبرات واسعة لدعم القرار العسكري بالرؤى والدراسات الاستراتيجية، في توجّه يعكس انتقال الجيش العربي السوري من إدارة التحدّيات اليومية إلى بناء مؤسسة عسكرية حديثة تقوم على الكفاءة والانضباط والتخطيط طويل الأمد.
ومن هنا تأتي أهمية “إيفس-2026″، وخصوصاً أن المناورات تتضمن تدريبات على الرماية الحية، والإنزال البحري والجوي، والقتال في المدن، والتنسيق بين القوات الخاصة، إضافةً إلى استعراض أكثر من خمسين منظومة وسلاحاً حديثاً، ومنظومات قتالية تستخدم للمرة الأولى.
كما أن مشاركة وحدات سوريّة من المدفعية والاستطلاع والمظليين والقنص، إلى جانب كوادر الإعلام العسكري والتوجيه المعنوي والتعاون الدولي، تعكس فهماً سورياً متقدّماً لطبيعة الحرب الحديثة التي لم تعد مجرد مواجهة بالنار، بل إدارة شاملة للميدان والمعلومة والصورة والقرار العملياتي في آن واحد.
وفي السياسة كما في الحرب، فإن الدول التي تنجو من العواصف الكبرى تخرج أكثر إدراكاً لمعنى القوة، وسوريا التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن وحدتها وسيادتها، تُدرك اليوم أن الحفاظ على الدولة لا يتحقّق فقط بالشجاعة، بل أيضاً بالعلم العسكري والتطوير المستمر والانفتاح على الخبرات الدولية.
لهذا لا يمكن النظر إلى “إيفس-2026” كمجرد مشاركة عسكرية عابرة، بل كإعلان عملي عن دخول الجيش العربي السوري مرحلة جديدة؛ مرحلة جيش يمتلك خبرة الميدان، ويسعى في الوقت ذاته إلى امتلاك مفاتيح المستقبل العسكري، في عالم لم تعد تحكمه كثافة الجيوش فقط، بل سرعة التعلم ومرونة التكتيك، وقدرة المؤسسات العسكرية على مواكبة الحروب التي تتغيّر كل يوم.
الوطن – أسرة التحرير










