الوطن – أسرة التحرير
أظهرت كلمة مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال الاحتفال باليوم العالمي لكرة القدم أن الرياضة في سوريا الجديدة لم تعد مجرد نشاط جماهيري أو منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت تدريجياً إلى أحد العناوين السياسية والثقافية التي تعكس صورة البلاد بعد التحرير، وإلى أداة من أدوات استعادة الحضور السوري في العالم بعد عقود من العزلة والتسييس والفساد الذي طبع القطاع الرياضي في ظل النظام البائد.
فعلى مدى سنوات حكم “الأسد”، أخضع النظام الرياضة لهيمنة الأجهزة الأمنية والحزبية، وحولها إلى أداة دعائية تخدم سلطته، بينما كانت المنشآت الرياضية تهمل وتنهب والكفاءات تقصى والمواهب تهجر أو تقمع، ولم يتوقف الأمر عند الفساد، بل بلغت وحشية النظام حد تحويل الملاعب والمنشآت الرياضية إلى ثكنات عسكرية ومواقع للقمع خلال سنوات الثورة.

لكن هذا المشهد بدأ يتبدل بعد سقوط النظام، مع انطلاق مشروع إعادة بناء الدولة السورية واستعادة الرياضة بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية وأحد وجوه القوة الناعمة للدولة الجديدة ومرآتها أمام العالم.
وفي هذا السياق، حملت كلمة مندوب سوريا الدائم دلالات سياسية عميقة، حين قال إن “الشعب السوري ربح وطنه مجدداً”، معتبراً أن مجرد حديث سوريا اليوم عن كرة القدم في الأمم المتحدة يمثل دليلاً على عودتها إلى مكانها الطبيعي بين الأمم، بعد سنوات كانت تذكر فيها فقط بالحرب والمأساة.
هذا التحول لم يكن رمزياً فقط، بل ترافق مع تغييرات واسعة داخل البنية الرياضية السورية، في خطوة هدفت إلى إنهاء عقود من الترهل الإداري وهيمنة الاتحاد الرياضي العام المرتبط سابقاً بحزب البعث المنحل، وفتح الباب أمام بناء مؤسسات رياضية أكثر استقلالية واحترافية.
وعلى المستوى المحلي، أطلقت الدولة الجديدة مشاريع لإعادة تأهيل الملاعب والصالات والمنشآت الرياضية وفق معايير دولية حديثة، شملت تطوير أرضيات الملاعب وأنظمة الإضاءة والبث والتجهيزات الطبية والأمنية، إضافةً إلى إنشاء مراكز تدريب وأكاديميات للفئات العمرية، بهدف إعادة بناء القاعدة الرياضية التي دمرها النظام البائد.
ولم تعد المنشآت الرياضية مجرد أبنية إسمنتية، بل باتت جزءاً من مشروع سياسي واجتماعي لإعادة الحياة إلى المدن السورية، واستعادة الفضاءات العامة التي صادرها نظام “الأسد” وحول بعضها إلى مواقع عسكرية وأمنية، وفي هذا الإطار، اكتسبت إعادة تأهيل الملاعب رمزيةً خاصة، باعتبارها إعلاناً عن عودة الحياة الطبيعية إلى المجتمع السوري.
كما بدأت سوريا بإعادة هيكلة الاتحادات والأندية الرياضية على أسس الكفاءة والشفافية، مع فتح ملفات الفساد والهدر المالي التي تراكمت لعقود، والعمل على جذب استثمارات ورعايات جديدة لتحويل الرياضة إلى قطاع تنموي قادر على إيجاد فرص اقتصادية وشبابية.
أما خارجياً، فقد أصبحت الرياضة إحدى أدوات عودة دمشق إلى محيطها الإقليمي والدولي، عبر استعادة العلاقات مع الاتحادات القارية والدولية، وعودة المنتخبات السورية للمشاركة بصورة أكثر استقراراً وتنظيماً في البطولات الخارجية، بعد سنوات من الاضطراب والعقوبات غير المباشرة والعزلة السياسية.
وفي كرة القدم تحديداً، تحاول سوريا الجديدة استعادة صورة المنتخب الوطني بوصفه ممثلاً جامعاً للسوريين، لا أداةً دعائية للسلطة كما كان في السابق، ومن هنا جاءت تصريحات علبي عن قدرة المنتخب السوري على “مفاجأة العالم” بوصفها رسالة سياسية ومعنوية تتجاوز حدود الرياضة نفسها، وتعكس طموح دولة تحاول إعادة تعريف صورتها أمام العالم.
وكما قال علبي، فقد انتقلت سوريا، من مشهد الأطفال الذين يركضون هرباً من القصف، إلى أطفال يركضون خلف الكرة مجدداً، وبين الصورتين، تقف الرياضة اليوم بوصفها مرآةً لتحول أوسع تعيشه البلاد، عنوانه الانتقال من دولة الحرب والخوف إلى دولة تسعى لاستعادة الحياة والمؤسسات والحضور الدولي.
ورغم التحديات الكبيرة والإرث الثقيل الذي خلفه النظام البائد، يرى رياضيون إن ما يجري اليوم يعكس محاولة فعلية لتحويل الرياضة إلى مساحة وطنية جامعة، وإلى بوابة تعود عبرها سوريا الجديدة إلى العالم، ليس فقط بالمباريات والبطولات، بل بصورة دولة تحاول النهوض من تحت الركام وصناعة مستقبل رياضي مشرق.








