يتصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية الأميركية مع “اقتراب” الإعلان عن اتفاق مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يكشف فيه الموقف الجمهوري عن انقسام واضح يتجاوز تفاصيل الاتفاق إلى جوهر الرؤية الاستراتيجية لدور واشنطن في العالم.
في هذا السياق، شنّ عدد من كبار الجمهوريين في مجلس الشيوخ هجوماً لاذعاً على الإطار المقترح، معتبرين أنه لا يرقى إلى مستوى “الانتصارات” التي تحققت خلال الأشهر الماضية، بل قد يبددها سياسياً، وبرز في هذا الصدد موقف السيناتور روجر ويكر الذي وصف الهدنة المقترحة لمدة 60 يوماً بأنها “رهان خطر” على حسن نوايا طهران، محذراً من أن الاتفاق “يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها دون تقديم تنازلات جوهرية.”
السيناتور ليندسي غراهام اعتبر أن أي تسوية لا تضمن تحييد التهديد الإيراني بشكل كامل ستُفسَّر إقليمياً كإقرار بتفوق طهران، ما قد يخلّ بتوازن القوى في الشرق الأوسط، أما السيناتور توم تيليس فقد ركّز على البعد النووي، مؤكداً رفضه أي اتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بمواد أو بنية تحتية يمكن أن تُبقي خيار التخصيب قائماً.

في الجهة المقابلة، يبرز صوت مختلف داخل الحزب الجمهوري، يقوده السيناتور راند بول، الذي يدعو إلى منح الدبلوماسية فرصة حقيقية، انطلاقاً من قناعة بأن الحروب تنتهي في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات، وهذا الطرح يعكس تياراً متنامياً داخل الحزب يميل إلى تقليص الانخراط العسكري الخارجي، والتركيز على الأولويات الداخلية.
وحسب التسريبات، يتضمن الاتفاق وقفاً لإطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإجراءات لتخفيف القيود على الملاحة والتجارة الإيرانية، مقابل التزامات بوقف أنشطة تُصنّفها واشنطن “عدائية”، إلا أن غياب نص رسمي نهائي حتى الآن يفتح الباب أمام تأويلات متباينة، ويزيد من حدة السجال السياسي.
المواقف المتباينة لأعضاء مجلس الشيوخ هذه جاءت بعد أن ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الاتفاق بات “شبه مكتمل”، ما يضعه أمام اختبار سياسي داخلي لا يقل تعقيداً عن التحديات الخارجية، فالجمهوريون الذين دعموا نهج “الضغط الأقصى” يرون في أي تراجع عن هذا المسار مخاطرة استراتيجية، بينما يعتبر آخرون أن الاستمرار في التصعيد قد يجر الولايات المتحدة إلى مواجهات مكلفة وغير محسوبة.
في المحصلة، لا يعكس الخلاف الجمهوري مجرد تباين في تقييم اتفاق بعينه، بل يجسد، إن صح التعبير، صراعاً أعمق بين مسارين، الأول يؤمن بفرض الشروط بالقوة ومنع الخصوم من امتلاك أي هامش مناورة، والثاني يرى أن إدارة الصراعات عبر التفاوض قد تكون الخيار الأكثر واقعية، وبين هذين النهجين، يبدو أن الاتفاق مع إيران، إن تم، لن يكون مجرد تسوية خارجية، بل محطة مفصلية في إعادة تعريف السياسة الأميركية نفسها.
الوطن – أسرة التحرير








