تكتسب مشاركة إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، بورشة العمل المشتركة مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات”GSF”، التي جرت أمس الإثنين، أهمية سياسية وحقوقية عميقة، خاصة في ظل سعي الحكومى المتزايد لإرساء أسس العدالة الانتقالية بوصفها مدخلاً ضروريا لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة القانون بعد سنوات طويلة من الانتهاكات زمن النظام السابق.
إن تنظيم ورشات عمل مشتركة بين الهيئات الوطنية السورية والمؤسسات الدولية يعكس توجه الحكومة نحو الانفتاح على الخبرات والتجارب العالمية في مجال العدالة الانتقالية، خاصة ما يتعلق بمفاهيم جبر الضرر وتعويض الضحايا والناجين، حيث إن التعاون مع مؤسسات دولية متخصصة، مثل الصندوق الدولي للناجين والناجيات، يتيح الاستفادة من نماذج وتجارب دول مرت بمراحل انتقالية مشابهة، كجنوب إفريقيا ورواندا وكولومبيا.
وتبرز أهمية التنسيق بين المؤسسات الوطنية والجهات الدولية ليس باعتباره تدخلاً خارجياً، بل كشكل من أشكال الدعم الفني والمعرفي الذي يساعد على تطوير آليات وطنية أكثر فاعلية وإنسانية في التعامل مع ملف الضحايا.
لا شك أن إدارة جبر الضرر تعد من أهم مكونات العدالة الانتقالية، لأنها تمثل البعد الإنساني والأخلاقي في معالجة آثار الانتهاكات، فجبر الضرر لا يقتصر على التعويض المادي فحسب، بل يشمل أيضاً الاعتراف بمعاناة الضحايا، وإعادة الاعتبار المعنوي والاجتماعي، والتأهيل النفسي والصحي، وضمانات عدم التكرار، وحفظ الذاكرة الوطنية.
وعليه، فإن مشاركة إدارة جبر الضرر في الحوار مع الجهات الدولية والمجتمع المدني تعكس إدراكاً متزايداً بأن العدالة الحقيقية لا تتحقق عبر المحاسبة القانونية فقط، بل أيضاً عبر إنصاف الضحايا وإعادة دمجهم في الحياة العامة بوصفهم شركاء في بناء المستقبل.
أهمية الورشة تنبع من الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في سوريا، باعتبارها حلقة وصل بين الدولة والضحايا والمجتمعات المحلية، فالحوار المشترك وتبادل الرؤى يسهمان في بناء مقاربة تشاركية للعدالة الانتقالية.

على المستوى السياسي، تحمل هذه المشاركة رسائل متعددة، أبرزها تأكيد أن ملف العدالة الانتقالية أصبح جزءاً من النقاش الوطني السوري، إضافة إلى الإقرار بأهمية البعد الحقوقي والإنساني في أي تسوية مستقبلية، كذلك السعي لبناء مؤسسات قادرة على معالجة إرث الانتهاكات بصورة مؤسساتية ومنظمة، إضافة إلى تعزيز صورة الدولة والمؤسسات الوطنية أمام المجتمع الدولي من خلال الانخراط في الحوارات الحقوقية المتخصصة.
كما أن هذا النوع من الورش يسهم في بلورة مفاهيم وطنية للعدالة الانتقالية تنطلق من الخصوصية السورية، مع الاستفادة من المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
إن مشاركة إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في ورشة العمل المشتركة مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات تمثل خطوة ذات دلالات عميقة على طريق بناء مقاربة سورية للعدالة الانتقالية تقوم على الحوار، والاعتراف بالضحايا، والتعاون مع المجتمع المدني والمؤسسات الدولية، كما أنها تعكس وعياً متزايداً بأن تحقيق الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتم من دون معالجة آثار الماضي، وإنصاف المتضررين، وترسيخ قيم العدالة والمصالحة الوطنية.
الوطن _أسرة التحرير








