الوطن – أسرة التحرير
مما لا شك فيه أن إعلان وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني حول التقدم في ملف إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائية، يشكّل أكثر من مجرد تحديث تقني في مسار طويل ومعقّد، فالسياق الذي وردت فيه التصريحات، وطبيعة التعاون الموسع مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يفتحان الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز البعد الفني إلى دلالات سياسية واستراتيجية مرتبطة بمفهوم “سوريا الجديدة” كما تطرحه السلطات.
في جوهر التصريحات، يبرز تأكيد الشيباني على أن ما تحقق جاء نتيجة “أشهر طويلة من العمل الوطني والاستخباراتي والفني”، بالتوازي مع تسهيل زيارات فرق التفتيش الدولية، وهذا التوصيف لا يهدف فقط إلى إبراز الجهد التنفيذي، بل إلى إعادة صياغة صورة الدولة كفاعل متعاون في ملف كان يُعدّ من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل دولياً، وهو ما يمكن قراءته باعتباره تقديم التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كجزء من تحول مؤسسي أوسع في طريقة إدارة الدولة للملفات السيادية الحساسة.

وترى مصادر متابعة في دمشق في هذا التعاون انتقالاً من حالة الانغلاق والاتهام المتبادل التي طبعت السنوات الماضية، إلى مقاربة تقوم على الشفافية المنظمة، فالسماح لفرق التفتيش بالوصول إلى عشرات المواقع، وتقديم تقارير ميدانية، وتسهيل عمليات التحقق، يعكس رغبة في تثبيت صورة مختلفة لسوريا داخل النظام الدولي، تقوم على التعاون والامتثال وليس المواجهة.
وعدت المصادر أن التصريحات تحمل دلالة مهمة تتجسد في محاولة الدمج بين المسارين الوطني والدولي في آن واحد، فبينما تؤكد دمشق أن فرقها الوطنية لعبت الدور الأساسي في تحديد المواقع وتأمين المواد ونقلها، فإنها في الوقت نفسه تربط هذا الجهد بإشراف وتحقق من منظمة”حظر الأسلحة الكيميائية”، وهذا التوازن يهدف إلى إنتاج رواية ثنائيةً؛ سيادة وطنية فاعلة من جهة، وشراكة دولية موثوقة من جهة أخرى، بما يعيد تعريف مفهوم إدارة الملفات الأمنية الحساسة.
تصريحات الشيباني حملت أيضاً، وفق المصادر، إشارة مهمة إلى “ملاحقة المتورطين في البرنامج الكيميائي السابق” ، وهو ما يضيف بعداً ثالثاً للتعاون، يتجاوز التفكيك المادي للترسانة إلى تفكيك البنية البشرية والمؤسسية التي أنتجته، وهنا يظهر عنصر العدالة والمساءلة كجزء من مقاربة سياسية جديدة تسعى إلى القول: إن الملف لا يُغلق فقط بإزالة المخاطر، بل أيضاً بمعالجة جذورها.
في السياق نفسه، يشير الإعلان عن اكتشاف ذخائر ومواد مرتبطة بغاز السارين، ونقلها إلى مرافق متخصصة تمهيداً لتدميرها، إلى مستوى متقدم من الانخراط الفني مع آليات المنظمة الدولية، لكن الأهم في هذا السياق ليس حجم المكتشفات بقدر ما هو القدرة على تحويلها إلى مسار تعاون مستدام، وهو ما تسعى دمشق إلى تثبيته باعتباره أحد أعمدة إعادة التموضع الدولي.
من زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا التقارب مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كجزء من محاولة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، ليس فقط في ملف الأسلحة الكيميائية، بل في مفهوم الدولة نفسها وقدرتها على الالتزام بالمعايير الدولية، فملف بهذا الحجم لا ينفصل عن الصورة السياسية العامة، بل يشكل أحد مفاتيح إعادة إدماج سوريا في بيئتها الإقليمية والدولية.
بناء على ذلك، لا تبدو تصريحات الشيباني مجرد إعلان عن إنجازات ميدانية، بل جزء من خطاب سياسي متكامل يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة؛ تعاون دولي منظم، شفافية تقنية، ومقاربة وطنية للمساءلة، وبين هذه العناصر الثلاثة، تحاول سوريا الجديدة أن تعيد تعريف أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخها الحديث، ضمن مسار يحمل دلالات تتجاوز حدوده التقنية إلى عمق التحولات السياسية الجارية.








