تشكل قضية مقتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي واحدة من أكثر قصص الاختفاء القسري إيلاما وغموضاً، لسنوات طويلة، عاش أقارب الأطفال على أمل أن يكون أطفالهم الستة أحياء في مكان ما، ينتظرون لحظة العودة إلى عائلتهم ومنزلهم، لكن الحقيقة التي بدأت تتكشف تباعاً حملت معها وجعاً يفوق الخيال؛ إذ أشارت نتائج التحقيقات الأولية التي أعلنتها وزارة الداخلية إلى وجود أدلة ومعلومات تفيد بمقتل الأطفال على يد مجموعات تابعة لنظام بشار الأسد، مع ظهور اسم أمجد يوسف كأحد المتورطين الرئيسيين في الجريمة.
وتثير الاتهامات الموجهة إلى فريق «أنصار شحود» موجة واسعة من الغضب والأسئلة الأخلاقية والإنسانية، بعد أنباء تفيد بامتلاك الفريق مقاطع فيديو توثق مصير أطفال رانيا العباسي منذ سنوات، مع الامتناع عن نشرها أو إبلاغ ذوي الضحايا بمحتواها، رغم استمرار العائلة في البحث والسؤال عن مصير أبنائها، وحتى الآن تبقى هذه الاتهامات متداولة إعلامياً وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتستدعي توضيحاً ومساءلة شفافة لكشف كل ما يتعلق بهذه القضية المؤلمة.
وحول الموضوع، ماذا يقول القانون الدولي والإنساني في قضية إخفاء الأدلة في جرائم الحرب؟

الدكتور جمعة حسن السهو،استاذ القانون الدولي بجامعة دمشق بين جملة من النقاط بخصوص امتلاك فريق أنصار شحود أدلة ووثائق تتعلق بقضية رانيا العباسي ومسؤوليتهم عن التحفظ عن هذه الأدلة وعدم تقديمها للتحقيق ،أولاً اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية هو اختصاص تكميلي للقضاء الوطني أي في حال فشل أو عجز المحاكم الوطنية السورية عن الملاحقة أو عدم رغبتها أو عدم قدرتها على الملاحقة يمكن للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً لنظام روما الأساسي ملاحقتهم عن هذه الجرائم.
ثانيا بالنسبة للمسؤولية الجنائية عن إخفاء هذه الأدلة يجب أن تكون هناك دعاوى قائمة أمام القضاء الوطني أو القضاء الدولي ويوجد طلب قضائي من هذه المحاكم إلى فريق أنصار شحود بضرورة تقديم الأدلة التي بحوزتهم وامتناعهم عن تقديمها في هذه الحالة يمكن ملاحقتهم بوصفهم متدخلين أو متسترين على هذه الجرائم.
ثالثا إعلامياً يمكن مطالبتهم بتسليم هذه الأدلة تحت طائلة تحمل المسؤولية القانونية عن الامتناع عن التسليم لحثهم على تسليمها
رابعا: بعض المنظمات الدولية غير الحكومية ما زالت تمتنع عن تسليم الحكومة السورية الأدلة والوثائق التي بحوزتها إلا ضمن شروط معينة وهذا يرتب مسؤولية على وزارة العدل السورية للتواصل معهم ومع الدول التي ينتمون إليها والأمم المتحدة للضغط عليهم لإجبارهم على تسليمها.
وختم بالتوضيح أنه يوجد بعض الأمور القانونية التقنية يمكن توضيحها بحسب كل قضية على حدة وبحسب السياقات التي يتم اثارتها فيه.
من جانبه يقول المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني في حديث لـ”الوطن”: “في القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لا ينظر القانون الدولي إلى الأدلة باعتبارها مجرد وثائق أو تسجيلات يمكن الاحتفاظ بها أو التصرف بها وفق اعتبارات سياسية أو شخصية، بل باعتبارها جزءاً أساسياً من حق الضحايا في معرفة الحقيقة ومن حق المجتمع في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم”.
ويتابع: ولهذا السبب، يولي القانون الدولي أهمية خاصة لحفظ الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، سواء كانت وثائق رسمية أو تسجيلات مصورة أو شهادات أو أي مواد أخرى يمكن أن تسهم في كشف الوقائع وتحديد المسؤولين عنها، فهذه الأدلة لا تخدم فقط أغراض التحقيق والمحاكمة، بل تمثل أيضا وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية ومنع إنكار الجرائم أو طمسها”.
ويرى الكيلاني أنه من هذا المنطلق، ينظر إلى إخفاء الأدلة أو إتلافها أو الامتناع المتعمد عن تسليمها للجهات المختصة على أنه سلوك يعرقل سير العدالة ويؤثر بشكل مباشر على حقوق الضحايا وذويهم. فحين تحجب المعلومات المتعلقة بالمقابر الجماعية أو بحالات الإخفاء القسري أو بعمليات القتل الجماعي، يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، وتتراجع فرص تحديد المسؤوليات الجنائية ومحاسبة الجناة.
ويؤكد الكيلاني أن القانون الدولي لحقوق الإنسان كرس ما يعرف بـ«الحق في معرفة الحقيقة»، وهو حق لا يقتصر على الضحايا المباشرين فحسب، بل يمتد إلى عائلاتهم وإلى المجتمع بأسره، وخاصة في القضايا التي تتعلق بالاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون والجرائم واسعة النطاق، ولذلك فإن أي تصرف يؤدي إلى إخفاء الأدلة أو حجبها يعد انتقاصاً من هذا الحق ويسهم في إدامة معاناة الضحايا وأسرهم.
ويشير الكيلاني إلى أنه في حالات النزاعات المسلحة، تكتسب مسألة الحفاظ على الأدلة أهمية مضاعفة، لأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية غالبا ما ترتكب في ظروف معقدة يصعب فيها توثيق الوقائع بعد مرور الزمن، ولهذا تؤكد الآليات الدولية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية على ضرورة جمع الأدلة وحمايتها وتأمينها وإتاحتها للجهات القضائية المختصة، بما يضمن استخدامها مستقبلاً في التحقيقات والمحاكمات.
ويشدد الكيلاني على أن المسؤولية لا تقتصر على من يرتكب الجريمة الأصلية فحسب، بل قد تمتد إلى كل من يشارك عمدا في إخفاء آثارها أو طمس معالمها أو منع الوصول إلى الأدلة المرتبطة بها، إذا ترتب على ذلك عرقلة العدالة أو المساهمة في الإفلات من العقاب، ولهذا كثيرا ما تعتبر عمليات إتلاف الوثائق أو إخفاء السجلات أو حجب المعلومات عن المحققين مؤشرات على وجود محاولة لطمس الحقيقة أو تعطيل المساءلة.
يقول:” في السياق السوري، حيث لايزال مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً مجهولاً، تبرز أهمية الأدلة باعتبارها المفتاح الأساسي لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، فكل وثيقة أو تسجيل أو شهادة يمكن أن تسهم في تحديد مصير شخص مفقود أو إثبات وقوع جريمة أو التعرف إلى مرتكبيها تمثل جزءاً من حق الضحايا في العدالة، وليس ملكية حصرية لأي جهة تحتفظ بها”.
ويختم الكيلاني: لهذا فإن المبدأ القانوني الحاكم في مثل هذه القضايا واضح، حماية الأدلة وكشفها والتعاون في تسليمها يخدم العدالة ويعزز المساءلة، أما إخفاؤها أو إتلافها أو منع الوصول إليها فيعد انتهاكاً لحقوق الضحايا وعائقاً أمام كشف
الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة التي لا تسقط بالتقادم”.
من جهته يقول منصور العمري – حقوقي سوري- في جديث ممثال لـ”الوطن”: عندما تعمل جهات عديدة بولاية متشابهة أو على حادثة محددة من منظمات حقوقية سورية ودولية وجهات قضائية ومنظمات شبه حكومية من دون تنسيق بينها فإنها تخاطر بإعادة إنتاج الصدمة للضحايا وعائلاتهم والمجتمع كله من خلال تضارب المعلومات أو حتى تسريب تفاصيل حساسة دون تمهيد، ما يشكل إيذاءً إضافياً لهم”.
ويشير العمري إلى أنه في السياق السوري المعقد، تتعدد الأطراف الفاعلة وأحيانا باختصاص متقارب جداً، لكن العمل الفردي المنفصل وإن كانت نياته حسنة فقد يؤدي إلى تشتيت الجهود وتضارب المصالح.
ويؤكد العمري أن المجتمع ككل وليس فقط الضحايا المباشرين لديهم الحق الجماعي في المعرفة، هذا الحق لا يتحقق بالمعلومات المجتزأة أو المتضاربة، بل بالمعلومات السليمة والموثوقة التي تبنى على تنسيق متين يضمن دقة الرواية التاريخية وحمايتها من التشويه.
ويقول:” العِبرة من هذه الحادثة يجب أن تتحول إلى بروتوكول عمل واضح وملزم لجميع الأطراف المعنية، التوافق والتنسيق ليسا خياراً تكميلياً، بل هما أحد الأركان الأساسية التي يفرضها مبدأ مركزية الضحايا وأولوية حمايتهم وصون حقوقهم.”ويوضح العمري أنه من غير المناسب إصدار البيانات التوضيحية التبريرية بعد وقوع الضرر، فالأجدى تفادي وقوع الضرر بالأساس وتحضير الجمهور والإعلام بالتزويد المستمر بالتحديثات، لا يمكن الحجب الكلي لمجريات القضايا وخاصة الكبرى والحاضرة في وجدان ملايين السوريين، بل يجب تقديم معلومات محدثة للجمهور، ويمكن تحديد نوع المعلومات التي يمكن الإفصاح عنها في كل مرحلة، وهذا يتبع مبدأ حق المعرفة الأصيل للجمهور.
ويختم العمري بالقول:” يجب دراسة ووضع آلية لا تحجب المعلومات عن المجتمع والإعلام بل تزوده بها بالطريقة المناسبة التي تحفظ مسار التحقيقات والخصوصية، بما فيه التحديث الدوري في الإجراءات والتقدم في سيرها، مثلاً تم التوصل إلى أدلة، وبعدها تم تحليلها وسنتشر النتائج بتاريخ معين، وما شابه”.








