لا تزال حالة من القلق والترقب تُخيّم على أوساط التجّار والمستوردين في سوريا، رغم التطمينات التي قدّمتها وزارة المالية خلال اجتماعاتها الأخيرة مع الفعاليات التجارية، بشأن عدم وجود توجّه لتحصيل رسم الإنفاق الاستهلاكي بمفعول رجعي على المستوردات.
إلا أنّ استمرار وجود النص القانوني ضمن القرار رقم 636 الصادر عن وزارة المالية، من دون أي تعديل أو توضيح رسمي مكتوب أبقى باب المخاوف مفتوحاً أمام احتمالات تحميل المستوردين أعباءً مالية إضافية عن بضائع دخلت البلاد خلال فترات سابقة.
اجتماع لم ينهِ القلق

وفي هذا السياق، كشف محمد الحلاق، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق السابق، في تصريح خاص لـ”الوطن” أنّ وزارة المالية أبلغت أعضاء غرفة تجارة دمشق خلال اجتماع خُصّص لمناقشة ملف رسم الإنفاق الاستهلاكي أنه لا يوجد توجّه لتطبيق الرسم بمفعول رجعي على المستوردات، مؤكداً أنّ هذه التطمينات ساهمت جزئياً في تخفيف الاحتقان داخل القطاع التجاري، لكنها لم تنهِ حالة القلق بشكل كامل.
وأوضح الحلاق أنّ مصدر المخاوف يعود إلى أنّ المادة السابعة من قرار وزير المالية رقم 636 لا تزال نافذة من دون أي تعديل رسمي، وهي المادة التي نصّت على معالجة بيانات الاستيراد التي لم يستوفَ عنها رسم الإنفاق الاستهلاكي خلال الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 وحتى نهاية نيسان 2026، الأمر الذي فُهم من قبل العديد من التجّار والمستوردين على أنّه يفتح الباب أمام تحصيل الرسم بأثر رجعي.
غياب قرار رسمي
وأشار إلى أنّ غياب أي قرار رسمي يلغي أو يفسر هذه المادة بشكل واضح، أبقى حالة الضبابية قائمة داخل الأسواق، لافتاً إلى أنّ بعض المستوردين يتخوّفون من ترتّب التزامات مالية ضخمة عليهم لاحقاً، وخاصة أنّ جزءاً كبيراً من البضائع المستوردة خلال تلك الفترة تمّ تسعيره وبيعه وفق تكاليف لم تكن تتضمن هذا الرسم.
مبينأ أنّ غرفة تجارة دمشق تواصلت مع وزير المالية، محمد يسر برنية، لشرح هواجس القطاع التجاري وانعكاسات أي تحصيل رجعي على الأسواق، مؤكداً أنّ المطلوب اليوم هو إصدار توضيحات أو قرارات رسمية تنهي الجدل القائم وتمنح الأسواق حالة من الاستقرار التشريعي والضريبي.
تداعيات على بيئة الأعمال
من جهته اعتبر الخبير في شؤون المحاسبة والضرائب، عبد الكريم الحسين، في تصريح لـ” الوطن” أنّ الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في قيمة الرسم، بل في مبدأ فرض أي التزامات ضريبية أو مالية بأثر رجعي، لما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على بيئة الأعمال والثقة بالسياسات المالية.
وأنّ الأنشطة التجارية والاستيرادية تُبنى أساساً على احتساب التكاليف المسبقة، بما يشمل الرسوم الجمركية والضرائب وأجور النقل والتخزين والتمويل، وبالتالي فإنّ أي تعديل لاحق على تلك التكاليف بعد إنجاز عمليات الاستيراد والتسعير يحدث خللاً كبيراً في الحسابات المالية للمستوردين، وقد يُعرّض بعضهم لخسائر غير متوقعة.
وأضاف: إنّ الاستقرار التشريعي يعدّ من أهم العوامل التي تحتاجها الأسواق في الظروف الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أنّ عدم وضوح الرؤية الضريبية يدفع العديد من الفعاليات الاقتصادية إلى التريّث في التوسّع بالاستيراد أو إبرام تعاقدات جديدة، بانتظار اتضاح السياسة المالية بشكل كامل.
التعويض برفع الأسعار
ويرى اقتصاديون أنّ أي إجراءات ضريبية تطبّق بأثر رجعي تترك انعكاسات مباشرة على الأسواق والأسعار، إذ إنّ المستورد الذي يتحمل تكاليف إضافية غير محسوبة سيحاول غالباً تعويض جزء منها عبر رفع أسعار البضائع الجديدة المطروحة في الأسواق، ما قد يزيد الضغوط المعيشية على المستهلكين في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة.
كما أنّ حالة من عدم اليقين داخل البيئة الاستثمارية والتجارية تؤثر سلباً في العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وخاصة في مرحلة تحتاج فيها الأسواق إلى مزيد من الوضوح والاستقرار لتحفيز النشاط الاقتصادي وتحريك عجلة الاستيراد والإنتاج.
وفي المحصلة، يبدو أنّ تطمينات وزارة المالية، رغم أهميتها، لم تكن كافية في ظل تمسّك الفعاليات التجارية بضرورة صدور معالجة قانونية واضحة تُبدّد المخاوف القائمة، وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار الأسواق وبيئة العمل الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.








