برز تطبيق “شام كاش” في الآونة الأخيرة كأداة رئيسة في مسار التحول المالي الرقمي في سوريا، متجاوزاً دوره التقليدي كمحفظة إلكترونية ليصبح وسيلة معتمدة لصرف رواتب العاملين في القطاع العام، وخاصة مع التصريحات عن مشاريع وخدمات مستقبلية يعتزم القائمون عليه إطلاقها.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد يرى أن هذا التوجّه، وإن كان يعكس حاجة ماسة إلى حلول دفع بديلة في ظل شح السيولة والعقوبات الاقتصادية، إلا أنه يثير تساؤلات جذرية حول نموذج الحوكمة المالية المعتمد، موضحاً أن السرعة في فرض التطبيق، مقترنة بغياب الشفافية حول ملكيته وهيكله التشغيلي، تجعل من الضروري إخضاعه لتشريح أكاديمي دقيق يتجاوز السردية الترويجية للتحوّل الرقمي إلى جوهر المخاطر النظامية والهيكلية التي قد يحملها هذا المسار للاقتصاد السوري.
تقنين الدولرة وأتمتة التآكل النقدي
إن إحدى أبرز الإشكاليات ترتبط بالتوجّه نحو إتاحة التحويل بين العملات داخل التطبيق وما يرافق ذلك من إشكالية ازدواجية سعر الصرف، مايطرح تساؤل عما إذا كانت هذه الخطوة تمثّل شكلاً متقدمّاً من أشكال أتمتة الدولرة أو اعترافاً عملياً بها داخل البيئة الرقمية.
ويرى محمد في حديثه لـ”الوطن’ أن هذه الميزة يمكن النظر إليها أكاديمياً بوصفها تجسيداً رقمياً لظاهرة الدولرة، لأنها تنقل الاحتفاظ بالدولار من كونه سلوكاً فردياً دفاعياً إلى وظيفة نظامية مبرمجة داخل المنظومة المالية الرقمية.
وأضاف: إن أتمتة التحويل بين الليرة والعملات الأجنبية في بيئة تعاني تآكلاً مستمراً في قيمة العملة الوطنية تمنح العملات الأجنبية شرعية تقنية لا تقل أهمية عن الشرعية القانونية، بما يعني أن المصرف المركزي، في حال الموافقة على هذه الآلية، لن يكون فقط مقراً بوجود الدولرة، بل سيكون قد أدمجها في البنية التحتية للسوق المالية الرقمية، الأمر الذي يصعّب مستقبلاً أي محاولات ناجعة للعودة إلى هيمنة العملة الوطنية.
ولفت إلى أن المعضلة الأساسية تتمثّل في تحديد سعر الصرف الذي ستتم على أساسه عمليات التحويل، فاعتماد السعر الرسمي يُعدّ، وفق وصفه، خياراً غير مجدٍ اقتصادياً بسبب الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والسعر الموازي الذي يعكس الندرة الحقيقية للعملة، واستخدامه يعني تقديم سعر صرف وهمي لا يمكن تطبيقه فعلياً في السوق، ما يفقد التطبيق مصداقيته.
وأضاف: إن اعتماد السعر الموازي أو آلية قريبة منه، رغم أنه الخيار الأكثر واقعية، يمثّل “انتحاراً سياسياً واقتصادياً للسياسة النقدية”، لأن أي تطبيق حكومي أو شبه حكومي يعترف بالسعر الموازي كأساس لتحويلاته يلغي فعلياً دور المصرف المركزي في تحديد سعر الصرف ويعلن إفلاس السياسة الرسمية، ما قد يدفع الليرة إلى دوّامة تراجع أسرع.
ورجّح محمد أن يكون الحل الأقرب هو اعتماد سعر سوق مدار مع فرض عمولات مرتفعة تمتص الفوارق السعرية، معتبراً أن هذه الآلية، في حال عدم توافر احتياطيات نقدية كافية لدعم الليرة، ستكون بمثابة تطبيع للدولرة واعتراف ضمني بعجز السياسة النقدية عن حماية العملة الوطنية.
معضلة الثقة المفقودة
وفي سياق آخر، أشار محمد إلى أن تنامي حالات الاحتيال المالي الرقمي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى ثقة المواطنين بالمنظومة المصرفية والإلكترونية، وهي ثقة وصفها بأنها شبه منعدمة أساساً نتيجة تراكم أزمات المصادرة والتجميد في الذاكرة الجماعية للمواطنين.
وأوضح أن الثقة في أي نظام مالي تقوم على عنصرين أساسيين هما حماية الأموال ووضوح آليات استرداد الحقوق عند وقوع الضرر، معتبراً أن تحميل المستخدم وحده مسؤولية الاحتيال الإلكتروني من دون وجود آليات تعويض واضحة وسريعة يؤدي إلى تآكل ما تبقى من الثقة.
وأضاف: إن المخاوف تتزايد مع وجود ثغرات أمنية محتملة أو إجبار بعض المستخدمين على تحميل التطبيق من خارج المتاجر الرسمية، مشيراً إلى أن المواطن العادي لا يميّز بين الاختراق التقني والاحتيال الإلكتروني، لأن النتيجة النهائية واحدة وهي خسارة أمواله.
ويرى محمد أن هذا الواقع قد يؤدي إلى زيادة الإقصاء المالي بدلاً من تحقيق الشمول المالي، إذ ستتعامل شرائح واسعة من المواطنين مع التطبيق على أنه “وعاء حارق” يسحبون منه رواتبهم فوراً لتحويلها إلى نقد ورقي، الأمر الذي يبقي الاقتصاد قائماً على التداول النقدي ويعطّل أهداف التحوّل الرقمي.
وأكد أن غياب صندوق تعويضات أو هيئة رقابية مستقلة وسريعة الاستجابة يجعل الاحتيال الرقمي “القاتل الصامت لأي طموحات تقنية”، لافتاً إلى أن المواطن الذي لم يعد يثق بالمصارف التقليدية لن يثق بالتطبيقات الرقمية ما لم يشعر بوجود مظلّة قانونية ومؤسساتية تحمي حقوقه بشكل فعلي.
صراع المصالح والربط مع المصارف التقليدية
وفيما يتعلق بإمكانية الربط التقني بين التطبيق والمصارف العامة والخاصة، قال محمد: إن الإمكانية الفنية موجودة وليست معقّدة، وخاصة أن وثائق واجهات البرمجة تشير إلى إمكانية التكامل التقني كما هو معمول به في تطبيقات الدفع حول العالم.
إلا أنه أوضح أن العقبات الحقيقية تكمن في الجوانب الاقتصادية والقانونية والتشغيلية، حيث تنظر المصارف، ولا سيما الحكومية منها، إلى التطبيق بوصفه منافساً مباشراً يقتطع جزءاً من سيولتها ورسوم خدماتها، كما أن إجبار المصارف على الربط مع شركة تبتلع ودائع المواطنين عبر الرواتب من دون أن تُودعها بالضرورة في خزائن تلك المصارف يخلق احتكاكاً مؤسسياً خانقاً.
وأضاف: إن مخاطر الامتثال وآليات تسوية العمليات المالية تشكّل عائقاً إضافياً، لا سيما في ظل غياب نظام مقاصة إلكتروني موحّد وشفاف.
وأشار محمد إلى أن نموذج العمل الحالي يثير تساؤلات حول ارتباط التطبيق ببعض شركات الصرافة واستيعابه لمنصّات سابقة، معتبراً أن هذا النموذج يحقّق أرباحاً وعمولات طائلة لجهات محدّدة ويعزل المصارف التقليدية، الأمر الذي يدفعها إلى مقاومة الربط الكامل لأنه سيدخل معايير أعلى من الشفافية والمنافسة.
وختم محمد تحليله بالتأكيد على أن الربط الكامل بين التطبيق والمصارف التقليدية يبدو مستحيلاً في ظل البيئة الحالية، معتبراً أنه لا يمكن إقامة علاقة تكامل حقيقية بين نظام مصرفي ينظمّه القانون وتضبطه السيادة النقدية ونظام موازٍ يعمل كـ”دولة داخل الدولة المالية” متجاوزاً المقاصة المصرفية، ما يجعل أي تكامل محصوراً في الخدمات الأساسية من دون الوصول إلى إصلاح مالي ومصرفي بنيوي متكامل.






