في قراءة تحليلية متأنية لكلام الرئيس أحمد الشرع في مقابلته أمس الأحد على قناة “المشهد”، يمكن تلمس العديد من الرؤى المستقبلية لعلاقة سوريا مع لبنان، إضافة الى تضمن الكلام العديد من الدلالات السياسية التي تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين، رؤى ودلالات تؤسس لمستقبل جديد أساسه احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
التاريخ المعقّد بين البلدين، وهيمنة النظام السابق على القرار السياسي في لبنان خلال عقود مضت، صبغا كلام الرئيس الشرع أهمية خاصة، لجهة كونه رسالة طمأنة واضحة إلى اللبنانيين وإعلاناً عن توجه سياسي جديد تعمل دمشق على تكريسه في المرحلة المقبلة.
كلام الرئيس الشرع يعكس رغبة دمشق في إعادة صياغة دورها الإقليمي، والانتقال من مرحلة النفوذ المباشر إلى مرحلة تقوم على العلاقات الرسمية بين الدول، وهو ما بدا جلياً من خلال تأكيد الرئيس الشرع بشكل واضح وصريح أن سوريا الجديدة لا تريد العودة إلى السياسات التي ارتبطت بمراحل سابقة، بل تتطلع إلى بناء علاقات طبيعية ومتوازنة مع جيرانها، وعلى رأسهم لبنان، إذ يأتي التشديد على مبدأ احترام سيادة الدول باعتباره أحد أهم المرتكزات التي تعمل القيادة السورية الجديدة على ترسيخها.

توجّه الإدارة السورية الجديدة نحو بناء الثقة بين دمشق وبيروت على أسس جديدة عوضاً من منطق النفوذ والتأثير المباشر، من خلال طرح نموذج يقوم على التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، الأمر الذي تضمنه قول الرئيس الشرع: ” إن المقاربة السورية تنطلق من أن الحل في لبنان لا يمكن أن يكون عسكرياً أو جزئياً، بل عبر حزمة متكاملة تشمل وقف الحرب، وإطلاق مسارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وإعادة ربط الشريان الاقتصادي بين سوريا ولبنان، بما يسهم في تخفيف حدة الأزمة وإعادة التوازن إلى العلاقات بين البلدين”، الأمر الذي يؤسس لمرحلة أكثر استقراراً في العلاقات الثنائية، ويسهم في معالجة الملفات العالقة من خلال الحوار بين المؤسسات الرسمية في البلدين.
المقاربة الجديدة لسوريا تجاه لبنان، تم تعزيزها من خلال تأكيد الرئيس الشرع أن سوريا لا تحمل أي نيات سلبية تجاه لبنان، وأن أولوياتها في المرحلة الراهنة تتمثل في دعم الاستقرار والسلام والتنمية، لا في الانخراط في صراعات أو منافسات إقليمية على الساحة اللبنانية، حيث حرص الرئيس الشرع على توجيه رسالة واضحة إلى اللبنانيين مفادها أن دمشق تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة، وأن أي دور سوري مستقبلي سيكون قائماً على التعاون واحترام المصالح المشتركة للشعبين السوري واللبناني.
ومن المؤكد أن من أبرز الرسائل التي حملها كلام الرئيس الشرع تأكيده أن دمشق لا تخفي مواقفها أو نياتها السياسية، إذ قال بوضوح: “لدينا من الشجاعة ما يكفي إذا أردنا أن ندخل في ميدان صراع أو حرب أن نقول ذلك علناً”، كلام يتضمن في طياته دلالة سياسية مهمة، إذ يهدف إلى نفي وجود أجندات خفية أو مشاريع غير معلنة تجاه لبنان، ويؤكد أن السياسة السورية الجديدة تقوم على الوضوح والشفافية في علاقاتها مع الدول المجاورة.
ومما لاشك فيه، أن أهم الرسائل التي يمكن قراءتها بكل ووضوح، من دون الحاجة إلى تحليل هي أن كلام الرئيس الشرع بدّد المخاوف والهواجس المرتبطة بتجارب الماضي، وثبّت مبدأ السياسة الجديدة القائم على أن سوريا الجديدة هي شريك في الاستقرار، وليس طرفاً في التوتر، وهي عامل مساعد في بناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها.
الوطن – أسرة التحرير








