يمثل تفعيل العلاقات بين سورية والاتحاد الأوروبي في المرحلة الحالية حاجة ملحة للانتقال من الدعم الإنساني والتعافي المبكر إلى مسار أكثر استدامة يقوم على الاستثمار وإعادة بناء القدرات الاقتصادية والإنتاجية.
ويرى الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر في تصريحه للوطن أن أهمية التحركات الأوروبية الحالية لا تقتصر على حجم التمويل المحتمل وإنما تكمن في قدرتها على إرساء شراكة تنموية طويلة الأمد تساعد الاقتصاد السوري على استعادة قدرته على النمو وخلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار.
ويؤكد اسمندر أن الاتحاد الأوروبي يعد أكبر المانحين لسوريا خلال السنوات الماضية، إذ تجاوز حجم مساهماته منذ عام 2011 أكثر من 33 مليار يورو بين مساعدات إنسانية وتنموية وهو ما يمنحه دوراً مهماً في مرحلة التعافي المقبلة ولا سيما مع تأكيد الجانب الأوروبي على تنسيق تدخلاته مع أولويات الحكومة السورية وخطة التعافي المعتمدة.
ويشير إلى أن المؤتمر الاستثماري الأوروبي المزمع عقده في دمشق خلال الأشهر القادمة يكتسب أهمية استثنائية في ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها سوريا، حيث تحتاج البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك عجلة الإنتاج بعد سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي وانخفاض الناتج المحلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وحسب اسمندر فإن قطاع الكهرباء يأتي في مقدمة القطاعات القادرة على استقطاب الاستثمارات الأوروبية باعتباره المدخل الأساسي لتحسين بيئة الأعمال وجذب المستثمرين، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل الشبكة الكهربائية تتطلب استثمارات كبيرة لا تستطيع سوريا تحملها منفردة في المرحلة الحالية.
كما يلفت إلى أن مشاريع الطاقة المتجددة تمثل فرصة واعدة للتعاون بين الجانبين في ظل الاهتمام الأوروبي بهذا القطاع وقدرته على توفير حلول سريعة ومستدامة لأزمة الطاقة، إضافة إلى مساهمته في تخفيض تكاليف الإنتاج ورفع تنافسية الاقتصاد السوري.
ويرى أن تطوير القطاع المالي يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي استثمار أوروبي مستقبلي من خلال تحديث البنية المصرفية وتعزيز الامتثال للمعايير الدولية وتسهيل عمليات التمويل والتحويلات المالية بما يضمن انسيابية النشاط الاقتصادي والتجاري.
ويضيف: إن قطاعات مياه الشرب والصرف الصحي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والزراعة تشكل مجالات واعدة للتعاون والاستثمار نظراً لدورها المباشر في تحسين مستوى الخدمات وخلق فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي وزيادة القيمة المضافة للإنتاج المحلي.
ويؤكد اسمندر أن الأولوية السورية في المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على إيجاد قنوات مالية وتجارية آمنة وفاعلة مع أوروبا وضمان توافق البرامج الأوروبية مع خطة التعافي الوطنية إضافة إلى تطوير المؤسسات المالية والصناعية بما يرفع قدرة الاقتصاد السوري على الاندماج مجدداً في الأسواق الإقليمية والدولية.
كما يرى اسمندر أنه لتحقيق أكبر فائدة من المؤتمر الاستثماري المرتقب يتطلب تقديم حزمة مشاريع واضحة وقابلة للتنفيذ تتوافق مع المعايير الدولية في الإدارة المالية والحوكمة إلى جانب تعزيز الشفافية وإطلاق إصلاحات استثمارية جاذبة تمنح المستثمرين الأوروبيين مزيداً من الثقة والضمانات.
و كان وزير المالية محمد يسر برنية التقى مع وفد من مفوضية الاتحاد الأوروبي برئاسة هنريكه تراوتمان مديرة شؤون الشرق الأوسط في المفوضية على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الإسلامي للتنمية حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي بما يدعم مسار التعافي في سوريا ويسرع تنفيذ المشاريع ذات الأولوية.
وتناول اللقاء توسيع مساهمة الاتحاد الأوروبي في البرامج التنموية متعددة القطاعات ومعالجة التحديات التي تواجه عمل المؤسسات المالية والبنوك الأوروبية في سوريا بما يسهم في تنفيذ مشاريع تنموية تدعم الاستثمار والتنمية.
كما أعلنت المفوضية الأوروبية عن تنظيم بعثة متخصصة إلى دمشق خلال النصف الثاني من تموز المقبل لإجراء مباحثات فنية تتعلق بالإدارة المالية العامة وعدد من الملفات الاقتصادية والمالية، إضافة إلى التحضير الأولي لمؤتمر استثماري أوروبي في دمشق يهدف إلى استقطاب الاستثمارات الأوروبية والمساهمة في تنشيط الاقتصاد السوري.
وأكد وزير المالية خلال اللقاء أهمية دور الاتحاد الأوروبي كشريك تنموي لسوريا مع التركيز على تطوير التعاون في مجالات القطاع المالي وتسهيل التحويلات المالية والصناعة وتنشيط حركة التبادل التجاري مع الأسواق الأوروبية.






