في مقابلته مع قناة المشهد وضع الرئيس أحمد الشرع رؤية مختلفة للعلاقة السورية اللبنانية عندما قال بوضوح إن دمشق لا تبحث عن “خطوط عسكرية” مع لبنان، بل عن “خطوط اقتصادية”. هذه العبارة بدت كإعلان سياسي عن مرحلة جديدة تنتقل فيها العلاقة بين البلدين من منطق النفوذ والتجاذب إلى منطق المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي
وفي حديث لـ “الوطن” حول أهمية الشراكة الاقتصادية مع لبنان و أهم الإشارات التي أطلقها الرئيس خلال مقابلته مع قناة المشهد وأهم القطاعات التي يمكن تفعيل الشراكات فيها أوضح الباحث الاقتصادي الدكتور مصعب الشبيب أن الرئيس الشرع شدد في حديثه على أن استقرار لبنان جزء من استقرار سوريا، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تبنى على الاقتصاد لا على الصراع وهذه المقاربة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحولات الإقليمية التي تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة والغذاء، مبيناً أنه في ملف الطاقة تستعيد سوريا تدريجياً دورها كمركز إقليمي مهم، مستفيدة من مواردها المحلية، ومن الانفتاح على الغاز الأذربيجاني والقطري، إلى جانب عودة قوافل الوقود العراقي عبر أراضيها. ومع التحديات المتزايدة في مضيق هرمز، تصبح سوريا ممراً برياً أكثر أهمية لتأمين تدفق الطاقة نحو المتوسط، ما يمنح لبنان فرصة للاستفادة من هذا التحول، سواء عبر استجرار الكهرباء أم الوقود والغاز، في وقت يعاني فيه واحدة من أعقد أزمات الطاقة في تاريخه.
وبين أن أهمية سوريا للبنان لا تقتصر على الطاقة فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي. فسوريا تاريخياً تُعد خزاناً زراعياً متكاملاً في المنطقة، تمتلك تنوعاً واسعاً في الإنتاج الزراعي من الحبوب والخضراوات والفواكه والثروة الحيوانية، إضافة إلى وفرة الموارد الطبيعية وتنوع المناخ. وخلال السنوات الماضية عانى لبنان شحاً متكرراً في المواد الغذائية وارتفاعاً كبيراً في الأسعار نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وتكاليف الاستيراد، ما يجعل سوريا شرياناً زراعياً طبيعياً قادراً على دعم الأمن الغذائي اللبناني واستقرار أسواقه.
كما اوضح أنه إلى جانب ذلك، يمتلك لبنان عناصر قوة أساسية في هذه المعادلة. فخبراته في قطاع البناء وإعادة الإعمار، التي راكمها بعد الحرب الأهلية ثم طورها عبر مشاريع ضخمة في الخليج، يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في مشاريع إعادة إعمار سوريا. كما أن القطاع المصرفي اللبناني، رغم أزماته، يمتلك خبرة طويلة في التمويل وإدارة الاستثمارات وتمويل المشاريع، وهو ما يمكن أن يكون أساساً لتعاون مصرفي يعيد ربط الدورة المالية بين البلدين ويدعم مرحلة النهوض السوري.
وفي النقل والسياحة أفاد الشبيب أنه يبقى التكامل واضحاً أيضاً حيث تمثل سوريا البوابة البرية للبنان نحو العراق والخليج، بينما يشكل لبنان المنفذ البحري الطبيعي لسوريا عبر مرافئ بيروت وطرابلس. أما في السياحة، فإن الجمع بين الخبرة اللبنانية والعمق التاريخي السوري يمكن أن يخلق مسارات مشتركة تعيد تنشيط القطاع في البلدين، مؤكداً أن ما طرحه الرئيس الشرع يتجاوز السياسة التقليدية إلى مشروع تكامل اقتصادي واسع، فسوريا مركز للطاقة والزراعة والعبور والإعمار، ولبنان شريك في التمويل والبناء والمصارف والخدمات والمرافئ.
وأنه على مستوى الآليات التنفيذية، فإن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب إعادة تفعيل الإطار المؤسسي للعلاقات الثنائية، وفي مقدمه المجلس الأعلى السوري اللبناني، ولكن بصيغة جديدة مختلفة عن النموذج التقليدي السابق. بحيث يتحول إلى مجلس تنفيذي فعلي لا يكتفي بالتنسيق السياسي، بل يمتلك صلاحيات تشغيلية واضحة، تنبثق عنه فرق عمل قطاعية مشتركة تعمل بشكل مباشر على متابعة الملفات الميدانية.
ويمكن أن تشمل هذه الفرق مجالات: الطاقة، الكهرباء، النقل، الزراعة، المصارف، وإعادة الإعمار، بحيث تكون مسؤولة عن وضع خطط تنفيذية زمنية، ومؤشرات أداء واضحة، وآليات تمويل مشتركة، مع اجتماعات دورية لمتابعة التقدم وحل العقبات التنفيذية.
بهذا الشكل، تتحول العلاقة من مستوى التصريحات إلى مستوى المشاريع، ومن التنسيق العام إلى التنفيذ المباشر، بما يسمح ببناء نموذج تكاملي حقيقي بين البلدين، يقوم على تبادل الموارد والخبرات والمصالح، ويؤسس لمعادلة استقرار اقتصادي طويلة الأمد في المشرق






