لقي قرار وزارة الطاقة بتشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية اهتماماً واسعاً، نظراً لحساسية هذا الملف وتأثيره المباشر في حياة المواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
استاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أوضح لـ “الوطن” أن أهمية القرار تكمن ليس فقط في تشكيل اللجنة بحد ذاته، بل فيما يعكسه من توجه نحو بناء آلية مؤسسية أكثر استقراراً ووضوحاً لإدارة أحد أكثر الملفات الاقتصادية تأثيراً في الاقتصاد الوطني.
ولفت إلى أن القرار يأتي في مرحلة تشهد فيها سوريا تحولات اقتصادية مهمة وتوجهاً متزايداً نحو تطوير آليات اتخاذ القرار الاقتصادي وتعزيز الحوكمة والشفافية، وفي ظل الأثر الواسع الذي تتركه أسعار الطاقة على تكاليف الإنتاج والمعيشة والاستثمار، تبدو الحاجة ملحة إلى وجود مرجعية مؤسسية قادرة على دراسة المتغيرات المحلية والعالمية بصورة مستمرة واتخاذ قرارات أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ.

ويرى أستاذ إدارة الأعمال أن الأمر لم يقتصر على تشكيل اللجنة، إذ عقدت اجتماعها الأول بعد صدور قرار تشكيلها، وتوصيتها باعتماد الليرة السورية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية داخل البلاد، ما يعد مؤشراً على بدء ممارسة دورها الفعلي وتحويل مهامها من الإطار التنظيمي إلى التطبيق العملي.
خطوة إيجابية
ووصف حمدان القرار بأنه يمثل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الحوكمة الاقتصادية والانتقال من المعالجات الظرفية إلى العمل المؤسسي المنظم، فوجود لجنة دائمة تضم ممثلين عن الجهات المالية والاقتصادية والنقدية والفنية المختصة يتيح دراسة القرارات السعرية من زوايا متعددة، ويعزز فرص الوصول إلى قرارات أكثر توازناً ودقة.
كما أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة خدمية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في تكاليف الإنتاج والنقل والزراعة والصناعة والتجارة، ما يجعل أي قرار يتعلق بها قراراً اقتصادياً بامتياز تتجاوز آثاره قطاع الطاقة نفسه ليطول مختلف مفاصل النشاط الاقتصادي.
واعتبر حمدان أن التوصية الأولى الصادرة عن اللجنة والمتعلقة باعتماد الليرة السورية في عمليات البيع يعكس توجهاً نحو تعزيز دور العملة الوطنية وتوحيد مرجعية التعاملات في قطاع يعد من أكثر القطاعات تأثيراً في النشاط الاقتصادي.
التجارب الدولية
ولفت حمدان إلى أن العديد من الدول المتقدمة والناشئة تعتمد هيئات أو لجاناً متخصصة لمتابعة أسواق الطاقة ووضع السياسات السعرية المناسبة، وقد أظهرت هذه التجارب أن نجاح هيئات تنظيم الطاقة لم يكن مرتبطاً بتثبيت الأسعار أو منع تغيرها، بل بقدرتها على بناء آليات تسعير واضحة ومعلنة تتيح للمواطن والمستثمر فهم أسباب التغيرات السعرية والتنبؤ بها، فالثقة في آلية التسعير كانت في كثير من الأحيان أهم من مستوى السعر نفسه.
مضيفاً: غير أن نجاح التجارب الدولية لا يعني إمكانية نقلها بصورة حرفية إلى أي دولة، فلكل اقتصاد ظروفه الخاصة وتحدياته المختلفة، وهو ما يجعل دراسة الواقع المحلي شرطاً أساسياً لنجاح أي آلية تسعير.
تحديات قد تواجه اللجنة
أكد حمدان أنه لن تكون مهمة اللجنة سهلة في ظل مجموعة من المتغيرات المعقدة، أبرزها التقلبات المستمرة في أسعار النفط والغاز عالمياً، وتغيرات أسعار الصرف وتأثيرها في تكاليف الاستيراد، ناهيك بارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتشغيل والحاجة إلى تحقيق التوازن بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي، إضافة لتأثير أي تعديل سعري في معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج.
وهذه العوامل تجعل عملية التسعير أكثر تعقيداً من مجرد احتساب تكلفة المادة نفسها، لأنها تتطلب النظر إلى انعكاسات القرار على الاقتصاد كله.
ما الذي يحتاجه الواقع السوري؟
يؤكد حمدان أن لكل دولة خصوصيتها الاقتصادية، والواقع السوري يفرض مجموعة من الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تحديد الأسعار، فإلى جانب الكلفة الحقيقية للطاقة، تبرز عوامل أخرى لا تقل أهمية، مثل القدرة الشرائية للمواطنين، واحتياجات القطاعات الإنتاجية، وأهداف دعم النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار.
كما أن دعم القطاعات الإنتاجية، ولاسيما الصناعة والزراعة والنقل، يجب أن يكون جزءاً من أي رؤية تسعيرية، لأن تكلفة الطاقة لا تنعكس على الوقود فقط، بل تمتد إلى تكلفة إنتاج السلع ونقلها وتخزينها وتسويقها، وتؤثر بصورة مباشرة في مستويات الأسعار والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
ومن هنا فإن نجاح سياسة التسعير لا يقاس فقط بمدى تغطيتها للتكاليف، بل بقدرتها على دعم الإنتاج وتحسين البيئة الاقتصادية والمساهمة في تخفيف الضغوط المعيشية وتعزيز فرص التعافي الاقتصادي.
هل يكفي التمثيل الحكومي وحده؟
ذكر حمدان أنه تضم اللجنة ممثلين عن الجهات الحكومية والاقتصادية والفنية المعنية، وهو أمر ضروري ومهم، ولكن التجارب الدولية تشير أيضاً إلى أهمية وجود قنوات تواصل وتشاور مستمرة مع الجهات الأكثر تأثراً بالقرارات السعرية، لذلك قد يكون من المفيد مستقبلاً توسيع دائرة المشاورات لتشمل غرف الصناعة والتجارة والفعاليات الإنتاجية وممثلي المستهلكين، بما يسهم في توفير صورة أكثر شمولاً عن الآثار المتوقعة للقرارات المتخذة ويعزز الثقة المجتمعية بها.
فوجود صوت يمثل القطاعات الإنتاجية أو الجهات المعنية بحماية المستهلك لا يعني التدخل في القرار الفني، بل يسهم في توسيع قاعدة المعلومات المتاحة أمام صانع القرار وفهم الآثار الاقتصادية والاجتماعية بصورة أدق، فكلما اتسعت دائرة الحوار، ازدادت فرص نجاح السياسات الاقتصادية وتحقيق أهدافها.
شروط النجاح
وخلص أستاذ الاقتصاد إلى أن أهم شروط نجاح اللجنة في مجموعة من النقاط الأساسية: اعتماد منهجية تسعير واضحة ومعلنة، وتحديث البيانات والأسعار بصورة دورية، وتعزيز الشفافية في شرح القرارات ومبرراتها، وقياس الآثار المتوقعة لأي تعديل سعري قبل تطبيقه، إضافة إلى تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والاعتبارات الاجتماعية، ودعم القطاعات الإنتاجية والمحافظة على تنافسيتها، مع ضرورة تعزيز التواصل مع الرأي العام والفعاليات الاقتصادية.
وختم حمدان بالقول:يمثل تشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية خطوة مؤسسية تستحق التقدير، لأنها تنقل ملفاً شديد الحساسية من دائرة القرارات المتفرقة إلى إطار أكثر استقراراً وتنظيماً، غير أن نجاح اللجنة لن يقاس فقط بقدرتها على تحديد الأسعار، بل بقدرتها على بناء الثقة وتحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد واحتياجات المجتمع، ودعم الإنتاج والاستثمار من دون إغفال البعد المعيشي.
فالتحدي الحقيقي ليس في إصدار قرار التسعير، وإنما في بناء منظومة تسعير يفهمها الجميع ويثق بها، لأن نجاح اللجنة لن يقاس بمستوى الأسعار بقدر ما سيقاس بمستوى الثقة في آلية تحديدها.








