تحوّلت تجارة المخدرات في سوريا خلال السنوات الماضية إلى نشاط إجرامي منظم وكان أحد أبرز مظاهر اقتصاد الحرب، حتى بات اسم البلاد يقترن دولياً بما يعرف بـ”اقتصاد الكبتاغون”.
آثار هذه التجارة
تعدّى ذلك الجانب الأمني ليطال بنية الاقتصاد، واستقرار المجتمع، كما أثر على علاقات سوريا الإقليمية والدولية، ما تسبب بعزلة شبه كاملة لها.

اقتصاد صناعة المخدرات
مع اتساع رقعة العمليات العسكرية في محاولات النظام لقمع الثورة، وتراجع الإيرادات العامة وانكماش النشاط الإنتاجي وتزايد العقوبات الاقتصادية، برزت تجارة المخدرات كواحدة من أبرز الأنشطة غير المشروعة التي ازدهرت في البلاد.
وتشير تقارير دولية إلى أن شبكات مرتبطة بقيادة النظام البائد، استغلت حالة الانهيار الاقتصادي والفراغ المؤسسي لتطوير صناعة الكبتاغون وتحويلها إلى مصدر رئيسي للعائدات غير القانونية، حتى أصبحت سوريا في تلك الفترة من أكبر مراكز إنتاج هذه المادة عالمياً، فيما تحولت شبكات التهريب إلى منظومة عابرة للحدود امتدت إلى دول الجوار والخليج وأوروبا، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تشديد العقوبات وتكثيف التعاون الأمني لمواجهة هذه الظاهرة.
أموال ضخمة… تنمية خاسرة
رغم الأموال الضخمة التي تدرّها تجارة المخدرات على القائمين عليها، فإنها تمثل أحد أكثر الأنشطة تدميراً للاقتصاد الوطني، فانتشار الاقتصاد غير المشروع يؤدي إلى تشويه هيكل الاقتصاد، وتحويل رؤوس الأموال من الاستثمار المنتج إلى أنشطة إجرامية سريعة الربح، كما يعزز عمليات غسل الأموال ويغذي الاقتصاد الموازي، وهذه العمليات ظهرت بشكل واسع خلال السنوات الأخيرة للنظام البائد عبر تمويل مشاريع وهمية، والاستثمار بأرقام مبالغ فيها لبعض المولات والمشاريع السياحية او حتى بشراء سيارات بالمزادات بمبالغ فلكية.
كما أن هذا النوع من التجارة أدى إلى تقويض ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ورفع كلفة الاستثمار والمخاطر المرتبطة به، وإلى جانب ذلك،كان يفاقم ارتباط الدولة بصورة “اقتصاد المخدرات” من عزلتها المالية والتجارية، ويحد من قدرتها على جذب الاستثمارات وإعادة الاندماج في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، ما يجعل مكافحة هذه التجارة شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع للتعافي الاقتصادي.
خسائر اجتماعية وصحية
لا تقف تداعيات تجارة المخدرات عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، فانتشار المخدرات يهدد رأس المال البشري الذي يمثل الركيزة الأساسية لأي عملية تنمية، من خلال ارتفاع معدلات الإدمان، ولا سيما بين فئة الشباب، وما يرافق ذلك من زيادة في معدلات الجريمة والعنف الأسري، وتراجع الإنتاجية في سوق العمل، وارتفاع الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية والأجهزة الأمنية والقضائية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن آثار المخدرات لا تقتصر على الجانب الصحي، وإنما تشكل عائقاً مباشراً أمام تحقيق التنمية المستدامة وإعادة الإعمار، لأنها تستنزف الموارد المالية والبشرية وتضعف تماسك المجتمع.
الدولة الجديدة… مواجهة التهريب وتفكيك الصناعة
بعد سقوط نظام الأسد، أعلنت السلطات السورية الجديدة أن مكافحة المخدرات أصبحت أولوية أمنية ووطنية، وبدأت بتنفيذ حملات واسعة استهدفت البنية الصناعية لشبكات الإنتاج والتهريب. ووفق البيانات الرسمية، أسفرت هذه العمليات عن ضبط عشرات من مستودعات لتصنيع المخدرات، ومصادرة أطنان من المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج، إضافة إلى ضبط ملايين من حبوب الكبتاغون وكميات كبيرة من الحشيش والكوكايين والهيروين وغيرها من المواد المخدرة.
كما أكدت الحكومة التزامها بتفكيك سلاسل الإنتاج والتهريب وتجفيف مصادر تمويلها، فيما نوه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بقيام السلطات بإتلاف كميات كبيرة من المضبوطات بصورة علنية، في مؤشر على تبنّي سياسة مختلفة عن المرحلة السابقة، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن القضاء على هذه الظاهرة يتطلب وقتاً وجهداً متواصلين نظراً لاستمرار نشاط بعض الشبكات ،ووجود مخزونات قديمة ما زالت تشكل تحدياً أمنياً.
تعاون إقليمي
بالتوازي مع الجهود الداخلية، شهدت المرحلة الأخيرة تعزيزاً للتنسيق الأمني بين سوريا وعدد من دول الجوار، وفي مقدمها الأردن، بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية وملاحقة شبكات التهريب التي تنشط عبر الحدود.
ويعكس هذا التعاون إدراكاً متزايداً بأن تجارة المخدرات لم تعد قضية محلية، بل أصبحت تهديداً إقليمياً يتطلب تنسيقاً مستمراً بين الدول المتضررة.
إن نجاح سوريا في القضاء على تجارة المخدرات إلى جانب أنه انتصار أمني، يعتبر خطوة أساسية على طريق إعادة بناء الاقتصاد واستعادة ثقة المستثمرين والمجتمع الدولي، فكل معمل يتم إغلاقه، وكل شبكة تهريب يتم تفكيكها، يعني تقليص نفوذ الاقتصاد غير المشروع، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين بيئة الاستثمار، وحماية رأس المال البشري الذي يمثل المحرك الحقيقي للتنمية.








