تأكيداً على دورها الوطني والثقافي في مواكبة مرحلة البناء، وفي رأب الصدع بينها وبين المجتمع، عقدت اللجنة الوطنية للدراما مساء أمس، ورشة حوارية ومكاشفةً صريحة في فندق “داما روز” بدمشق، بحضور رئيس اللجنة مروان الحسين، إلى جانب عددٍ من الكتّاب والمخرجين والممثلين والأكاديميين والإعلاميين.
وفي كلمته، قال مدير الإعلام والاتصال، الدكتور سليمان مهنا: “الدراما ليست مجرد صناعة ترفيهية، بل هي فعل ثقافي وحضاري ومرآة للمجتمع وأداة مؤثرة في تشكيل الوعي وترسيخ القيم وصياغة الهوية الوطنية.. اللجنة الوطنية للدراما تؤمن بأن تطوير الدراما السورية لا يتحقق عبر القرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى حوار صادق ومستمر مع أهل الخبرة والاختصاص والإصغاء إلى مختلف الآراء والرؤى، وصولاً إلى أرضية مشتركة تسهم في البلوغ بالمشهد الدرامي وتواكب تطلعات السوريين في هذه المرحلة المفصلية، ومن هذا الإيمان جاءت فكرة الورشة لتكون مساحة حرة للمسؤولية والحوار، تجمع نخبة من الكتاب والأكاديميين والمتخصصين والمعنيين بالنص الدرامي، من أجل مناقشة القضايا الفكرية والثقافية التي تواجه الدراما السورية اليوم، والبحث في مستقبلها ودورها في إعادة بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ ثقافة الانتماء مع الحفاظ على حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية”.
رؤية واضحة
بدوره، استعرض أمين سر اللجنة الوطنية للدراما، نضال الحبّال، نتائج الاستطلاع الذي أجرته اللجنة، مؤخراً، مبيناً: “أجرت اللجنة، مؤخراً، استطلاعاً واسعاً للوقوف عند نبض الجمهور وتقييمه لما يعرض، وجاءت الأرقام كإشارة صريحة تستحق منا وقفة جادة، إذ رأى 83 بالمئة من المصوّتين أن الدراما تواجه مشكلة حقيقة تكمن بالنص على وجه الخصوص، وقد تنوعت المشكلات على اختلاف الآراء بين التكرار وترتيب الأفكار ودخول بعض الألفاظ غير اللائقة إلى العائلات، وشعورهم بأن الأعمال لا تعكس الواقع السوري الحقيقي، أي إنهم لا يرون أنفسهم في دراماهم على وجه الحقيقة.. لقد كان هناك اتفاق جماهيري يعبّر عن رغبة حقيقية ملحة “درامانا واقعية تشبه السوريين”.

مضيفاً: “منهج اللجنة منذ تحرير سوريا، كان ولا يزال مبنياً على رؤية واضحة قوامها أن الحرية هي المسؤولية الأصل والمنع هو الاستثناء.. نحن نؤمن بأن الفن يحتاج إلى فضاء واسع ليتنفس ويبدع، لذلك فإن سقف الحرية المرتفع هو دعم لكل فكرة مبتكرة وقرارات شجاعة ولا يمكن أن نلجأ إلى الاستثناء أو التقييد إلا عندما يتجاوز العمل مفهوم الحرية المسؤولية، ليصل إلى حد التشويه أو الطعن أو التنميط المسيء لمكونات المجتمع وفئاته المختلفة، سواء أكانت دينية أم عرقية.. وفي المقابل فإن الأرقام التي لا تكذب، تحمل مؤشرات إيجابية تدعو إلى التفاؤل، إذ أظهر الاستطلاع أن 81 بالمئة من المنتجين ينظرون بجدية كاملة إلى الأهمية البالغة لدور “الدراماتورج” في تطوير النصوص وضبط بنائها الدرامي لرفع جودة المنتج النهائي”.
دراما العائلة
لأن الحديث عن المستقبل وتحقيق التطلعات بحاجة إلى العمل أكثر من الكلام وبحاجة إلى قراءة موضوعية للأحداث والإنتاج، استعرض رئيس لحنة صناعة السينما والتلفزيون، علي عنيز، حصيلة العمل التقييمي للمشاريع الفنية التي قدمت، مؤخراً، مبيناً: “قُدّم ما يقرب السبعين نصاً درامياً فنياً.. الأعمال التي أجيزت حوالى خمسة وخمسين عملاً، ولدينا خمسة عشر عملاً أجريت عليها بعض التعديلات الطفيفة، ولم يكن هناك عمل مرفوض بالمطلق”، منوهاً بتعاون الكتّاب الذين يدعون إلى التفاؤل بالموسم الدرامي القادم.
وأوضح عنيز أنّه على الرغم مما يلمع على الشاشات من بريق إنتاجي، هناك أزمة حقيقية تتلخص في اتساع الفجوة بين الناس والدراما، وأن الجمهور شعر بأن هذه الدراما لا تشبهه ولا تعبّر عن حقيقته، وأن هناك انحرافاً بالدراما عن سمتها الأساسية التي عرفت فيها، وهي دراما العائلة التي تدخل البيوت كصديق حريص تجمع الأفراد على القيم والأخلاق والتماسك، وباتت تقدم كل سلبي وسوداوي، وتحوّل النص من مشروع فكري وتنويري إلى مشروع تجاري، متمنياً أن تصوّب البوصلة في قادم الأيام.
وجهات نظر متعددة
بدوره، تحدث الأستاذ في كلية الإعلام، الدكتور عربي المصري عن المكانة التي أعطتها الدراما السورية للسوريين في الدول العربية، مشبّهاً صناعة الدراما بساحة فيها مداخل كثيرة، ومن الطبيعي أن تزداد الحوادث والتصادم، فهناك الكاتب والمسؤولية الاجتماعية واحتياجات الجمهور، مبيناً أن هناك وجهات نظر متعددة ومختلفة حول الدراما ومحتواها.
ملامح واضحة
ورفضت الكاتبة إيمان السعيد كل ما يقال حول أزمة النص، وقالت: “حكمنا كثيراً على الدراما، علماً أنها تركت بصمتها في الوطن العربي وسوّقت للسورين بشكل جيد في العالم العربي، نحن تميزنا بالتنوّع في الدراما سواء التاريخية أم البيئية أو الاجتماعية.. وللأسف كنا نشتغل بظروف صعبة جداً، لم يكن لدينا صناعة درامية، ويبدو حتى الآن لا يوجد لدينا ملامح واضحة لهذه الصناعة.. الأزمة ليست فقط أزمة النص التي قد تأتي في آخر الأزمات.. لدينا كتّاب جيدون وقادرون على حمل هذه المرحلة وهموم الوطن وأسئلة السوري على مر الزمان.. أزمتنا الحقيقية هي بمفهومنا عن الصناعة الدرامية التي تم إنتاجها بوقت ما بشكل مرتجل وقائمة على جهود فردية، واعتمدنا بمعظمنا على القنوات العربية أكثر من السورية كقنوات عرض ورأسمال وتوزيع”، منوهة بأمر مهم وهو أن القنوات العربية التي كانت تتلقف الدراما السورية في مرحلة ما، انسحبت من المشهد لأسباب سياسية في مرحلة من المراحل، ولأنها استطاعت تصدير المنتج الخاص بهم.
حماية حرية الآخرين
وفي مداخلة له، قال الناقد السينمائي نضال قوشحة: “أهم عنصر في صناعة الدراما هو الإنتاج، وأتمنى أن تكون الفعالية الإنتاجية موجودة في الورشة بنسبة كبيرة، الكلام الذي لا يُترجم إنتاجياً يبقى كلاماً.. يجب أن يسبق الشق الاقتصادي الشق الإبداعي.. المال أساس كل شيء”.
بدوره، تحدث الكاتب والسيناريست مؤيد النابلسي عن سقف الحريات بالقول: “ليس من المنطق أن يرتفع مؤشر الحرية في سوريا إلى الأقصى وينزل مؤشر الرقابة إلى الأدنى.. أتمنى أن يكون هناك تساوٍ بين الحرية في الشارع وحرية الرقابة على النص”، وهنا كان لابد من توضيح من نضال الحبّال الذي أكد: “نحن نقول التقييم وليس الرقابة.. لسنا سيفاً مسلطاً على رقبة النص، لكننا نحاول النهوض بالنص.. عندما يأتينا نص يضرب بطائفة معينة لن اسمح له بالظهور إلى التلفزيون، ومنعي له ليس تقييداً للحرية بل هو حماية لحرية الآخرين وهذه مسؤوليتنا.. أيضاً الذي يضرب بأعراف وتقاليد المجتمع بشكل فج سأقول له لا.. قل ما تشاء لكن عليك أن تعرف كيف تقول حتى لا تصادر مجتمعك.. نحن نريد رأب الصدع في المجتمع”.
هذه خطوات مهمة في الطريق الصحيح لإعادة الدراما السورية إلى مسارها الطبيعي، يضاف إليها ما قاله علي عنيز: “إعادة الاعتبار لسلطة النص وحماية وصيانة مكانة الكاتب، وحمايته من الضغوط الإنتاجية والتسويقية هي الخطوة الأولى لعلاج درامانا وإعادتها إلى مسارها الطبيعي”.
الوطن ـ نجوى صليبه










