تعكس زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق دعم باريس “سوريا الجديدة” على كل الصعد، وتعد محطة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، وتحمل رغبة فرنسية في استعادة دورها التاريخي كلاعب فاعل في بلاد الشام، في وقت تشهد فيه المنطقة تحوّلات كبرى.
سياسياً، تأتي زيارة ماكرون بعد أيام قليلة على إعلان اكتمال تشكيل مجلس الشعب، والذي يأتي في سياق جهود القيادة السورية لترسيخ استقرار مؤسسات الدولة، وبالتالي فإن توقيتها، بحسب الأكاديمي الدكتور زياد عربش، يعني اعترافاً فرنسياً ضمنيّاً بأن سوريا دخلت مرحلة جديدة لا يمكن تجاهلها، ولابدّ من مؤازرتها وتحييد أي انزلاقات ممكنة واحترام حقوق الجميع.
كما أن باريس لم تكن بعيدة عن المشهد السوري في الأشهر الفاصلة بين سقوط النظام البائد وهذه الزيارة، فماكرون كان أول رئيس أوروبي يستقبل الرئيس أحمد الشرع في باريس في أيار٢٠٢٥، ودعا إلى “الرفع التدريجي للعقوبات الأوروبية”.

وهذه الزيارة تؤكد الآن، وفق عربش، أن باريس قرّرت المضي قدماً بدعم المرحلة الجديدة في سوريا.
وتأتي زيارة الرئيس الفرنسي بعد قطيعة بين دمشق وباريس استمرت منذ اندلاع الثورة في العام ٢٠١١ لغاية سقوط النظام البائد، والتي ظلت خلالها سوريا معزولة عن السياسة العالمية والاقتصاد العالمي.
ومن المقرّر أن يلتقي الرئيس أحمد الشرع الرئيس الفرنسي الذي يرافقه وفد سياسي واقتصادي رفيع، بهدف بحث سبل تعزيز العلاقات وفرص التعاون بين البلدين، إضافةً إلى ملفات حيوية أخرى على رأسها مكافحة الإرهاب وإرساء الاستقرار في المنطقة.
دمج المصارف ومشاريع الربط الإقليمي
ومن وجهة نظر عربش، فإن الأولوية الاقتصادية تتصدّر هذه الزيارة، حيث يرافق ماكرون خلالها وفد وزاري كبير ومجموعة من رجال الأعمال، وهي تأتي بعد سلسلة من اللقاءات التحضيرية ركّزت على القطاع المالي والمصرفي، إذ ناقش حاكم مصرف سوريا المركزي مع وفد فرنسي رفيع مشاريع للتعاون المالي والمصرفي تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتطوير الأنظمة المالية وبناء القدرات المؤسسية. كما بحث الجانبان إعادة فتح حساب المصرف المركزي السوري في فرنسا، وهي خطوة حاسمة لتسهيل المعاملات المالية وتعزيز القنوات المصرفية مع المؤسسات الأوروبية.
وهذا الانفتاح المصرفي هو البوابة لدمج سوريا مجدّداً في النظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة.
غير أن الطموحات لا تتوقف عند القطاع المصرفي، فهناك، وفق عربش، حديث عن مشاريع كبرى للربط الإقليمي، تهدف إلى ربط البصرة بطرطوس وطرابلس وبيروت، وتأمين خطوط إمداد من جنوب أوروبا الغربية باتجاه دول الخليج، استيراداً وتصديراً.
وتأتي هذه المشاريع في سياق رؤية فرنسية أوسع لمنطقة شرق المتوسط، حيث تسعى باريس إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتأمين طرق الطاقة والتجارة البحرية، مما يجعل من سوريا جزءاً من معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز حدودها الوطنية.
ولا يمكن هنا تجاهل دور تركيا، الحليف الاستراتيجي لفرنسا في “الناتو”، والتي تشكّل محوراً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية تمسّ الممرات التجارية والاستقرار في شمال سوريا.
دعم البنية التحتية ونقل التكنولوجيا
ويقول عربش: “إذا كانت زيارة ماكرون تحمل في طياتها رسالة سياسية واضحة، فإن جوهرها الاقتصادي يفترض أن يرتكز على محورين استراتيجيين متلازمين: إعادة بناء البنى التحتية السورية وفق أحدث المعايير، ونقل التقانات المتقدّمة التي تؤهّل الاقتصاد السوري للقفز فوق مراحل التخلف التكنولوجي.
فباريس تدرك أن سوريا ليست بحاجة إلى إعادة إعمار تقليدي فحسب، بل إلى تحديث جذري يمكّنها من الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، وهذا ما يفسّر اصطحاب ماكرون لوفد يضم مسؤولي كبرى الشركات الفرنسية المتخصّصة في الطاقة والبنية التحتية والنقل”.
بوابة العبور إلى الأسواق
في طليعة المشاريع التي يفترض أن تترأس الأولويات، يأتي قطاع النقل والخدمات اللوجستية. فالاتفاقية التاريخية التي وقعتها الحكومة السورية مع مجموعة “CMA CGM” الفرنسية العملاقة للخدمات اللوجستية، لتطوير وتشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية لمدة ٣٠ عاماً، تمثل أكثر من مجرد عقد استثماري. فهي وفق عربش اختبار حقيقي لقدرة “سوريا الجديدة” على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ تشمل المرحلة الأولى ضخ استثمارات أولية بقيمة ٣٠ مليون يورو لتطوير البنية التحتية، تليها استثمارات إضافية بقيمة ٢٠٠ مليون يورو في السنوات الثلاث التالية. لكن الأهم هو إدخال أنظمة التشغيل الحديثة والتقنيات التي تعتمدها الشركة في موانئها العالمية، مع تدريب الكوادر السورية على أحدث النظم التشغيلية. ولا تتوقف الطموحات عند اللاذقية، إذ تشمل مذكرات التفاهم إنشاء وتشغيل موانئ جافة في المنطقة الحرة السورية – الأردنية المشتركة ومنطقة عدرا بريف دمشق، لتربط الموانئ البحرية بالمناطق الداخلية عبر شبكة سكك حديدية حديثة.
شبكات النقل البري والجوي: إعادة ربط سوريا بالعالم
ويوضح عربش أن التعاون بين البلدين يمتد ليشمل إعادة تأهيل شبكة الطرق والجسور التي دمرتها الحرب، إذ سبق أن ناقش الجانبان الاتفاقية الشاملة لتأهيل 32 جسراً في عموم البلاد، مع التشديد على تطبيق أحدث التقنيات في مشاريع النقل لضمان الكفاءة والجودة وتسريع الإنجاز.
وفي قطاع الطيران المدني، تتصدر محادثات تعزيز الشراكة مع شركة “إيرباص” الفرنسية لتبادل الخبرات وتطوير منظومة الطيران المدني بما يتوافق مع المتطلبات التقنية والتشغيلية الحديثة. وهذه المشاريع، التي ناقشها وزير النقل السوري مع القائم بالأعمال الفرنسي في دمشق، تهدف إلى تحويل سوريا من دولة منهكة الحرب إلى ممر عبور إقليمي يربط جنوب أوروبا الغربية بدول الخليج، استيراداً وتصديراً، وهو ما يتكامل مع الرؤية الفرنسية الأوسع لمنطقة شرق المتوسط.
الطاقة: من الاستكشاف البحري إلى التحول الطاقوي
في قطاع الطاقة، تتجاوز الرؤية الفرنسية بحسب عربش مجرد تأمين الإمدادات إلى الشراكة في الاستكشاف والإنتاج. فشركة “توتال إنرجي” الفرنسية العملاقة وقعت مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول، إلى جانب “كونوكو فيليبس” و”قطر للطاقة”، للاستكشاف في المنطقة البحرية قبالة سواحل اللاذقية (البلوك 3). وهذه الخطوة، التي تمثل أول دفع استكشافي بحري رسمي، تهدف إلى تعزيز معدلات الإنتاج الوطني وتحديث البنية التحتية التقنية والقدرات التشغيلية لقطاع البترول عبر جلب التقنيات العالمية. وبالتوازي، ثمة اهتمام فرنسي بمشاريع الطاقة المتجددة، إذ تشمل الخطط السورية توليد ٢٥٠٠ ميغاواط من الطاقة الشمسية و١٥٠٠ ميغاواط من طاقة الرياح بحلول ٢٠٣٠، وهو مجال تمتلك فيه الشركات الفرنسية خبرات متراكمة يمكن أن تسهم في تنويع مزيج الطاقة السوري وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
البنية التحتية الرقمية ونقل التقانة: قفزة نحو المستقبل
لكن الرهان الأكبر ربما يكمن في المجال الرقمي والتقانات المتقدمة، وفق عربش، الذي ذكر أن المنتدى السوري – الفرنسي الذي جمع ٤٠ شركة فرنسية متخصصة في التحول الرقمي والتعليم والبنية التحتية، ناقش مشاريع استثمارية مشتركة في مجالات الاتصالات والبنية التحتية للمعلومات. وتتضمن الرؤية الأفكار المطروحة لتطوير شبكة الألياف البصرية الوطنية وإنشاء مراكز بيانات، تمهيداً لنقل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة (الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة) إلى القطاع الصناعي السوري. وبحسب عربش هنا تكمن المفارقة التاريخية: فبينما ضاع على سوريا عقد كامل من الاندماج في الاقتصاد العالمي، يمكن لفرنسا اليوم أن تقدم فرصة للتعويض ليس عبر استنساخ الماضي، بل بالانتقال المباشر إلى اقتصاد المعرفة، شرط أن ترافق الإرادة السياسية الاستقرار المؤسساتي والقانوني الجاذب للاستثمارات.
الوطن – أسرة التحرير








