لم يكن تأهل منتخبنا لكرة السلة إلى الدور الثاني من التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2027 مجرد محطة عابرة، بل فرصة جديدة لإعادة تقييم واقع اللعبة لدينا.
فبين لحظات الفرح التي رافقت الفوز على العراق، وخيبات الخسارة أمام إيران، برزت صورة أكثر وضوحاً عن مستوى المنتخب وما يحتاجه فعلًا إذا أراد منافسة كبار القارة.
مع انطلاق التصفيات، كان الشارع الرياضي يتطلع إلى صفحة جديدة تعيد للمنتخب حضوره القاري بعد سنوات من التراجع، وجاءت البداية لتمنح هذا الأمل شيئاً من الحياة، بعدما نجح المنتخب في تجاوز العراق، قبل أن يقدم أمام إيران واحدة من أفضل مبارياته خلال السنوات الأخيرة، ورغم الخسارة بفارق أربع نقاط فقط، فإن تلك المواجهة أكدت أن اللاعب السوري يملك الإمكانات الفنية، لكنه ما زال يفتقد الخبرة والقدرة على التعامل مع اللحظات الحاسمة التي تصنع الفارق في المباريات الكبيرة.

الفوز الثاني على العراق منح المنتخب بطاقة العبور إلى الدور الثاني، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته في ظل الظروف التي أحاطت بالفريق، غير أن المشهد تغيّر بالكامل في اللقاء الثاني أمام إيران، حيث ظهر الفارق الحقيقي بين منتخب يمتلك منظومة متكاملة، وآخر يعتمد في كثير من الأحيان على الاجتهاد الفردي أكثر من اعتماده على الحلول الجماعية.
المنتخب الإيراني فرض إيقاعه منذ البداية، وسيطر على تفاصيل المباراة بفضل التنظيم الدفاعي، وسرعة التحوّل الهجومي، والاستفادة من التفوّق البدني تحت السلة، في المقابل، بدا منتخبنا عاجزاً عن إيجاد حلول بديلة كلما أُغلقت المساحات أو ارتفع الضغط الدفاعي، لتتحول المباراة إلى درس جديد يؤكد أن المنافسة على أعلى المستويات تحتاج إلى منظومة عمل متكاملة، لا إلى ردود أفعال في أثناء اللقاء.
خطة إعداد
اليوم، ومع انتقال المنتخب إلى الدور الثاني، تصبح المهمة أكثر تعقيداً. فالمنتخبات التي تنتظر سوريا، وفي مقدمها أستراليا ونيوزيلندا والفلبين، تنتمي إلى مدارس متقدمة في كرة السلة العالمية، وتمتلك خبرات كبيرة ولاعبين محترفين في أقوى الدوريات، لذلك فإن الفارق معها لا يتعلق بالرغبة أو الحماس، بل بمنظومة إعداد بدأت منذ سنوات طويلة وأثمرت منتخبات مستقرة وقادرة على المنافسة في أكبر المحافل.
الحديث عن ضرورة إقامة معسكرات خارجية أو خوض مباريات ودية يبقى مهماً، لكنه لا يمثل الحل الكامل، المشكلة أعمق من ذلك، وتبدأ من واقع الدوري المحلي الذي لم يعد قادراً على إنتاج عدد كاف من اللاعبين الجاهزين للمنافسة الدولية، مروراً ببرامج إعداد الفئات العمرية، ووصولًا إلى تطوير الفكر التدريبي ما يواكب التطور السريع الذي تشهده كرة السلة الحديثة.
ولعل أبرز ما كشفته التصفيات أن المنتخب يمتلك عناصر تستطيع المنافسة إذا توافرت لها البيئة المناسبة، لكن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة لن يغيّر شيئاً في المستقبل، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بالتأهل إلى دور جديد فحسب، وإنما بقدرة المنتخب على تقليص الفجوة الفنية مع المنتخبات الكبرى عاماً بعد آخر.
جردة حساب
أنهى المنتخب السوري المرحلة الأولى في المركز الثالث برصيد ثماني نقاط، خلف إيران والأردن اللذين جمع كل منهما إحدى عشرة نقطة، بينما حل العراق رابعاً بست نقاط. واحتفظ منتخبنا بالنقاط التي حققها أمام المنتخبات المتأهلة من مجموعته، قبل أن يبدأ رحلة جديدة ستكون الأصعب في مشواره، إذ يواجه أستراليا في الثامن والعشرين من آب، ثم نيوزيلندا بعد يومين، قبل لقاء الفلبين في تشرين الثاني، على أن تُستكمل مباريات الإياب مطلع عام 2027.
ورغم صعوبة المهمة، فإن كرة السلة السورية ما زالت تملك فرصة لإثبات نفسها، ليس فقط عبر تحقيق نتائج إيجابية، وإنما من خلال استثمار هذه المشاركة لبناء مشروع طويل الأمد يعيد اللعبة إلى مكانتها الطبيعية.
الوطن








