حملت زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق ولقاءه الرئيس السوري أحمد الشرع أبعاداً سياسية واقتصادية متداخلة، إلا أن الجانب الاقتصادي كان من أبرز عناوينها، في ظل التركيز على فتح قنوات تعاون جديدة، وتعزيز حضور الشركات الدولية، والانتقال نحو مرحلة تقوم على الاستثمار والشراكات الاستراتيجية.
فاللقاء لم يقتصر على الرسائل الدبلوماسية، بل شكل منصة لبحث مستقبل التعاون الاقتصادي بين سوريا وفرنسا، من خلال مشاركة مسؤولين اقتصاديين وممثلين عن شركات ومؤسسات مهتمة بالاستثمار في قطاعات حيوية.
هذا ما أكده لـ”الوطن” الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى مشيراً إلى أن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق تحمل دلالة اقتصادية مهمة، لأنها تشير إلى انتقال النقاش من مستوى العلاقات السياسية إلى مستوى الشراكات الاقتصادية. القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لن تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة سوريا على تحويل هذه الاتفاقيات إلى مصانع ومشاريع بنية تحتية واستثمارات منتجة.
مبيناً أن الاقتصاد السوري يحتاج في المرحلة المقبلة إلى استثمارات نوعية تنقل التكنولوجيا وتعيد بناء القطاعات الأساسية، والفرصة الحالية تتطلب إدارة اقتصادية فاعلة توازن بين جذب المستثمرين وحماية المصالح الوطنية.
الاقتصاد في صلب الزيارة
وأضاف: إن التركيز على الاقتصاد جاء باعتباره أحد الملفات الأساسية في المرحلة المقبلة، حيث تسعى سوريا إلى جذب الاستثمارات الخارجية، وإعادة تطوير قطاعات تحتاج إلى خبرات وتقنيات وتمويل دولي.
وشملت المباحثات والاتفاقيات مجالات استراتيجية مثل الطاقة، والطيران، والمياه، والصحة، والصناعة، والتكنولوجيا، وهي قطاعات تمثل ركائز أساسية لأي عملية تعافٍ اقتصادي وتنموي.
وتعكس هذه المجالات طبيعة المرحلة المقبلة، إذ إن تطوير الطاقة ينعكس على الصناعة والزراعة والخدمات، بينما يشكل تحديث النقل والبنية التحتية عاملاً أساسياً لجذب المستثمرين وتحريك التجارة.
رسالة اقتصادية للمستثمرين
أحد أبرز مخرجات الزيارة هو الرسالة الموجهة إلى مجتمع الأعمال الدولي، بأن سوريا تسعى إلى الانتقال من مرحلة الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة بناء شراكات استثمارية طويلة الأمد، مؤكداً أن وزير الاقتصاد والصناعة أشار إلى ذلك خلال اللقاء بأن التنمية المستدامة تقوم على الشراكة مع المستثمرين، وأن سوريا تعمل على تطوير بيئة اقتصادية أكثر جذباً للاستثمارات الدولية.
أهمية الاتفاقيات الموقعة
ويرى د. المصطفى أن أهمية الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم الإعلان عنها تكمن في أنها تفتح الباب أمام تعاون عملي في قطاعات تحتاج إلى تطوير كبير سواء في قطاع الطاقة والطيران، والمياه والصحة، فهما من القطاعات التي ترتبط مباشرة بمستوى الخدمات وجودة الحياة، ما يجعل الاستثمار فيهما ذو أثر اقتصادي واجتماعي واسع.
التحدي الحقيقي: التنفيذ
رغم أهمية الزيارة وما حملته من اتفاقيات، فإن المرحلة الأكثر أهمية -حسب المصطفى- تبدأ بعد التوقيع، حيث يبقى نجاح أي شراكة مرتبطاً بتحويل التفاهمات إلى مشاريع فعلية.
ويحتاج ذلك إلى:
إجراءات واضحة وسريعة للمستثمرين.
بيئة قانونية مستقرة.
ضمانات استثمارية.
خطط تنفيذية محددة.
متابعة حكومية مستمرة.
فالاستثمار لا يعتمد فقط على الفرص المتاحة، بل على قدرة الدولة على توفير المناخ الذي يحول الفرصة إلى مشروع ناجح.
وأخيراً نستطيع القول: إن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق تمثل خطوة مهمة في مسار إعادة رسم العلاقات الاقتصادية، وفتح المجال أمام تعاون أوسع مع الشركات الدولية.
لكن النجاح الاقتصادي سيبقى مرتبطاً بمرحلة ما بعد الزيارة: مرحلة التنفيذ، وجذب التمويل، وتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع حقيقية تسهم في النمو، وتوفر فرص العمل، وتدعم إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس حديثة.






