وقعت سوريا وفرنسا حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وإعلانات النوايا، في ختام الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، التي شهدت عقد طاولة مستديرة سورية–فرنسية بحضور الرئيس أحمد الشرع ووفدين حكوميين واقتصاديين من البلدين، وسط توجه لفتح مسار تعاون أوسع في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة والنقل والتمويل والخدمات الأساسية.
وشملت اتفاقات ومذكرات تفاهم وإعلانات نوايا في مجالات الطيران المدني، والصحة، والطاقة، والمياه، والطرق، والنقل، والقطاع المصرفي، والاستثمار، فيما تفاوتت المصادر في عدد الوثائق الموقعة 15 وثيقة، من دون نشر القائمة الكاملة حتى الآن.
ووقّع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ووزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إعلان إطار تعاون شامل بين البلدين، ليكون مظلة لتنظيم التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والتنموية والخدمية خلال المرحلة المقبلة.
كما أعلن الجانبان الاتفاق على تشكيل لجان اقتصادية سورية–فرنسية مشتركة لمتابعة ملفات التعاون والاستثمار وإعادة الإعمار، في وقت أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إمكان توسيع الشراكات عبر إشراك دول خليجية في التمويل أو تنفيذ بعض المشاريع.
قطاعات إعادة الإعمار
اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم في حديثه للوطن أن الاتفاقيات التي وُقعت اليوم بين سوريا وفرنسا تمثل خطوة اقتصادية مهمة، ليس لأنها تحل تحديات الاقتصاد السوري مباشرة، وإنما لأنها تستهدف القطاعات التي يقوم عليها أي مشروع لإعادة الإعمار والتنمية.
وأوضح عبد الكريم أن ما يلفت الانتباه في هذه الاتفاقيات أنها لم تتركز في قطاع واحد، بل شملت النقل والخدمات اللوجستية، والقطاع المصرفي، والبنية التحتية، والطيران، والصحة، والاستثمار، والمياه، وهي قطاعات تشكل المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي.
وبيّن عبد الكريم أن سوريةتحتاج، اقتصادياً، إلى إعادة إعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار، منها نحو 82 مليار دولار للبنية التحتية، أي ما يقارب 38% من إجمالي الكلفة، لذلك فإن التركيز على تطوير البنية التحتية والمرافئ والقطاع المالي يعد توجهاً صحيحاً، لأن هذه القطاعات تخلق البيئة التي تسمح للاستثمار والإنتاج بالعودة.
الطاقة والبنية التحتية والممرات التجارية
حضر قطاع الطاقة والبنية التحتية بقوة في مخرجات الزيارة، مع الحديث عن شراكات محتملة في الكهرباء والمياه والطرق والنقل والخدمات العامة، ضمن ما وصفه الرئيس أحمد الشرع بخريطة طريق متكاملة لإعادة الإعمار بالشراكة مع فرنسا.
وقال الشرع إن سوريةتعمل على استعادة موقعها كعقدة ربط ضمن الممرات التجارية الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن إعادة الإعمار لا تقتصر على تأهيل المنشآت، بل تشمل إعادة بناء المؤسسات وتطوير البنية الخدمية والاقتصادية.
وفي ملف الطاقة، أعلن وزير الطاقة محمد البشير ان شركة توتال إنرجيز الفرنسية ستكون شريكاً في مشروع تمديد أنابيب النفط من العراق إلى بانياس، فيما لم تُنشر حتى الآن تفاصيل تتعلق بصيغة الشراكة أو حجم التمويل أو الجدول الزمني للتنفيذ.
كماشملت الحزمة بروتوكول اتفاق لتقديم حلول معيارية لمعالجة المياه وحلول طاقية في محافظة حمص، إلى جانب اتفاقية مع الوكالة الفرنسية للتنمية، من دون إعلان القيمة المالية أو برنامج التنفيذ التفصيلي لهذه المشاريع.
المرافئ والشحن الجوي
وفي قطاع النقل واللوجستيات، شملت الاتفاقيات وإعلانات النوايا مجالات الطيران المدني والشحن الجوي، بما يفتح الباب أمام تطوير الربط التجاري والخدمات اللوجستية.
كما وقّعت مجموعة CMA CGM الفرنسية المتخصصة في النقل البحري والخدمات اللوجستية اتفاق شراكة مع الجانب السوري لإدارة عمليات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي وتشغيل مرفأين جافين في سوريا، وفق ما نقلته وكالة رويترز، من دون إعلان التفاصيل المالية أو التعاقدية الكاملة للاتفاق.
ورأى عبد الكريم أن من أهم الاتفاقيات توسيع التعاون مع شركة CMA CGM الفرنسية، ليس فقط لأنها من أكبر ثلاث شركات شحن بحري في العالم، بل لأنها تمتلك خبرة عالمية في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية.
وأشار إلى أن مشروع الشركة في تطوير ميناء اللاذقية باستثمار يقارب 230 مليون يورو لمدة 30 عاماً، إلى جانب الاتفاق الجديد لإدارة الشحن الجوي وتشغيل الموانئ الجافة، سيعزز ربط سورية بشبكات التجارة العالمية، ويخفض تكاليف النقل، ويزيد كفاءة سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس مباشرة على تسريع إعادة الإعمار.
القطاع المصرفي والتمويل
وشملت الاتفاقات مذكرة تفاهم للتعاون في التعزيز المؤسسي والدعم الفني وبناء القدرات لمصرف سورية المركزي، إضافة إلى مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي وتنمية العلاقات التجارية بين البلدين.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لارتباطها بإعادة تأهيل البنية المؤسسية والمالية اللازمة لتمويل المشاريع واستقطاب الاستثمار، إلا أن تفاصيل نطاق الدعم الفني ومدته والجهات الفرنسية المنفذة لم تُعلن رسمياً حتى الآن.
واعتبر عبد الكريم أن الاتفاق المتعلق بتطوير القطاع المصرفي من أهم الاتفاقيات الموقعة، لأن إعادة الإعمار لا تحتاج إلى الأموال فقط، بل إلى قطاع مصرفي حديث يستطيع تمويل المشاريع، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية.
وأضاف أن أهمية حديث الرئيس الفرنسي عن دور مؤسسات التمويل الدولية تأتي من كون تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى يحتاج إلى قروض طويلة الأجل، وضمانات استثمار، وتمويل تنموي لا تستطيع الحكومات وحدها توفيره.
وأكد الرئيس ماكرون استعداد فرنسا لتكون شريكاً لسوريا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والقطاع المصرفي، مشدداً على أن بناء الثقة بين البلدين سيكون أساساً للانتقال إلى شراكات اقتصادية أوسع.
قطاع الطيران
وفي قطاع الطيران، وقّع الجانبان إعلان نوايا في مجال الطيران المدني، وبروتوكول اتفاق لإدارة تداول الشحنات المنقولة جواً وتسويق خدمات الشحن الجوي.
وقال عبد الكريم إن التعاون مع الجانب الأوروبي، ووجود شركات مثل Airbus ضمن الوفد الاقتصادي، يعكس توجهاً لإعادة تأهيل قطاع النقل الجوي، وهو قطاع يرتبط مباشرة بحركة التجارة، والسياحة، والشحن الجوي، وجذب المستثمرين، وليس مجرد تحديث أسطول الطيران.
القطاع الصحي والمياه
وفي القطاع الصحي، تضمنت الحزمة مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وشركة «Ellipse Projects SAS» الفرنسية لتطوير المستشفيات الجامعية ومؤسسات التعليم الطبي، بما يشمل تحديث المستشفيات الجامعية وتعزيز البنية التعليمية الطبية وتوسيع التعاون بين البلدين في التعليم العالي والرعاية الصحية.
وأضاف عبد الكريم أن الاتفاقيات في مجالات الصحة والمياه لا تقل أهمية، لأنها تعيد بناء الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن، وترفع جودة رأس المال البشري، وهو عنصر رئيسي في أي اقتصاد يسعى إلى تحقيق نمو مستدام.
الأموال المصادرة من رفعت الأسد
وشملت الوثائق الموقعة مذكرة مرتبطة بإعلان نوايا بشأن الأموال التي صادرتها فرنسا من رفعت الأسد.
وذكرت وكالة رويترز أن فرنسا وسوريا بدأتا خطوات لإعادة نحو 51 مليون يورو كانت قد صودرت من رفعت الأسد.
ويتم يالتعامل مع هذا الملف بوصفه مساراً مستقلاً عن الاستثمارات والمشاريع التنموية، كونه يتعلق بأموال مصادرة وإجراءات قانونية، وليس تمويلاً استثمارياً أو منحة مخصصة لمشروع اقتصادي محدد.
نقل التكنولوجيا وبناء القدرات
ورأى عبد الكريم أن القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات لا تكمن في حجم التمويل الحالي، وإنما في أنها تفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا، والخبرات الإدارية، وبناء القدرات، وتطوير المؤسسات السورية وفق المعايير الدولية، مشيراً إلى أن هذه القيمة قد تكون على المدى الطويل أهم من قيمة الاستثمار المالي نفسه.
ومن الناحية الاستراتيجية، اعتبر عبد الكريم أن هذه الاتفاقيات تدعم رؤية سوريا لاستعادة دورها كمركز اقتصادي وممر تجاري يربط الخليج والعراق وشرق المتوسط بأوروبا.
وأوضح أنه إذا نجحت مشاريع الموانئ، والقطاع المصرفي، والنقل، والطاقة في الوصول إلى مرحلة التنفيذ، فإن سوريا لن تستفيد فقط من زيادة الاستثمارات، بل أيضاً من خلق فرص عمل، وزيادة التجارة، وتعزيز الإيرادات العامة، وإعادة دمج اقتصادها تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
وختم عبد الكريم بالقول إن المعيار الحقيقي للنجاح يبقى التنفيذ، فالاقتصاد لا يقيس النجاح بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بعدد المشاريع التي تبدأ على أرض الواقع، وحجم التمويل الذي يتم ضخه، وعدد فرص العمل التي يتم خلقها، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطن السوري والاقتصاد الوطني.
وبذلك، تبقى القيمة الاقتصادية الفعلية للزيارة مرتبطة بما ستنتجه اللجان المشتركة خلال المرحلة المقبلة، وبمدى انتقال مذكرات التفاهم وإعلانات النوايا إلى عقود تنفيذية ومشاريع محددة ذات أثر مباشر على الخدمات والإنتاج وفرص العمل.





