مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الفائض المالي في سوريا.. هل تخفي الأرقام أزمة الاقتصاد؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

قد يبدو إعلان تحقيق فائض في المالية العامة خبراً يدعو إلى التفاؤل، وخصوصاً في بلد خرج لتوه من واحدة من أعنف الحروب في العصر الحديث. ففي الأدبيات الاقتصادية، يرتبط فائض الموازنة عادة بتحسن النشاط الاقتصادي، واتساع القاعدة الضريبية، وارتفاع الإنتاج والاستثمار. لكن في الحالة السورية، يفرض الواقع سؤالاً أكثر أهمية: هل تحقق الفائض نتيجة تعافي الاقتصاد، أم نتيجة تحميل المجتمع تكلفة التصحيح المالي؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة بعد التقرير الأخير للمركز السوري لبحوث السياسات، الذي حمل عنوان “المالية العامة في سوريا الانتقالية: فائض محاسبي، وعجز في الدور التنموي للدولة، وإعادة إنتاج التفاوت”. فالتقرير لا ينكر تسجيل فائض في المالية العامة خلال عام 2025، لكنه يدعو إلى قراءة هذا الإنجاز في ضوء المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، لا بوصفه رقماً منفصلاً عن الواقع.

ويشير التقرير إلى أن المالية العامة حققت فائضاً يناهز 46 مليون دولار، في وقت لم يتجاوز فيه معدل النمو الحقيقي 0.3 بالمئة. والمفارقة هنا أن الاقتصاد الذي ينمو بهذا المعدل لا يخلق فرص عمل كافية، ولا يعيد بناء قاعدته الإنتاجية، ولا يستطيع تحسين مستويات الدخل بصورة ملموسة. ولذلك فإن الفائض، مهما بدا إيجابياً من الناحية المحاسبية، لا يمكن اعتباره دليلاً كافياً على التعافي الاقتصادي.

وتكشف بنية الإيرادات العامة جانباً آخر من الصورة. فقد أصبحت الرسوم الجمركية تمثل نحو 39 بالمئة من الإيرادات، بينما شكلت الضرائب والرسوم المختلفة نحو 31 بالمئة، في حين لم يتجاوز الإنفاق الاستثماري 7 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام. وتعكس هذه الأرقام انتقال السياسة المالية نحو الاعتماد بصورة أكبر على الجباية، مقابل تراجع دور الاستثمار العام بوصفه محركاً للنمو.

ولا تقتصر المشكلة على هيكل الإيرادات، بل تمتد إلى طبيعة الإنفاق نفسه. فإعادة إعمار الاقتصاد السوري تتطلب استثمارات ضخمة في الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم، فضلاً عن دعم القطاعات الزراعية والصناعية التي تعرضت لاستنزاف هائل خلال سنوات الحرب. أما عندما تتراجع حصة الاستثمار إلى هذا المستوى المتواضع، فإن الاقتصاد يفقد أحد أهم محركات النمو طويلة الأجل.

ويبدو أثر هذه السياسة أكثر وضوحاً عند النظر إلى ملف الدعم. فقد أدى رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والخدمات العامة إلى تخفيف العبء عن الموازنة، لكنه في الوقت نفسه نقل جزءاً كبيراً من تكلفة الإصلاح إلى الأسر والمنتجين. فالطاقة ليست مجرد خدمة استهلاكية؛ إنها عنصر أساسي في الزراعة والصناعة والنقل، وبالتالي فإن ارتفاع أسعارها ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج، ثم على أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى. فما توفره الخزانة العامة من خلال تقليص الدعم، قد يخسره الاقتصاد عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض القدرة التنافسية، وتراجع الاستهلاك. فالسياسة المالية التي تحسن أرقام الموازنة على المدى القصير قد تضعف النمو الاقتصادي على المدى المتوسط إذا لم تترافق مع زيادة الاستثمار والإنتاج.

وتزداد الصورة تعقيداً إذا وضعت في سياقها الاجتماعي. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن أكثر من 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يحتاج نحو 16.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. وفي اقتصاد بهذه الهشاشة، يصبح لأي زيادة في أسعار الطاقة أو الخدمات أثر يتجاوز الموازنة العامة ليصل إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

ولا يعني ذلك أن ضبط المالية العامة هدف غير مشروع، أو أن استمرار الدعم غير الموجه يمثل سياسة مثالية. فالعجز المالي المزمن يحمل بدوره مخاطر كبيرة، من بينها التضخم، وتدهور سعر الصرف، وتآكل الثقة بالاقتصاد. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الانضباط المالي ومتطلبات التنمية، بحيث لا تتحول السياسة المالية إلى أداة لخفض الإنفاق فقط، بل تصبح وسيلة لتحفيز الإنتاج وتوسيع فرص العمل.

لقد أظهرت تجارب دول عديدة خرجت من النزاعات أن إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية، لا من تحقيق فوائض محاسبية. فالنمو المستدام يولد الإيرادات العامة بصورة طبيعية، بينما يصعب تحقيق نمو قوي إذا كانت الأولوية هي تقليص الإنفاق على حساب الاستثمار.

ولعل الرسالة الأهم التي يثيرها التقرير ليست التشكيك في أهمية الاستقرار المالي، بل التحذير من اختزال نجاح السياسة الاقتصادية في رقم واحد. فالفائض المالي ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة ينبغي أن تنعكس على تحسين الخدمات العامة، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية.

وفي نهاية المطاف، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة مالية بسيطاً: هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج؟ وهل تحسنت معيشة المواطنين؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الفائض، مهما بدا لافتاً في جداول الموازنة، يظل إنجازاً محاسبياً أكثر منه إنجازاً اقتصادياً.