في عالم تحكمه المصالح الاقتصادية لم تعد الزيارات الرئاسية تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو الصور البروتوكولية، بل بما تحمله من رسائل إلى الأسواق والمستثمرين وخرائط النفوذ الاقتصادي ومن هذا المنطلق تكتسب زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق أهمية استثنائية إذ تبدو مؤشراً على دخول سوريا مرحلة جديدة من التنافس الدولي مع تحول الاقتصاد السوري إلى ساحة اهتمام متزايد للقوى الغربية بالتزامن مع انطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار.
ويرى المستشار المالي والاقتصادي الدكتور رازي محي الدين أن زيارة الرئيس الفرنسي تمثل أكثر من مجرد زيارة ثنائية بين البلدين بل تعكس بداية مرحلة من التعاون التنافسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الانخراط في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن هذا التنافس يحمل فرصاً كبيرة لسوريا إذا أحسنت إدارة المرحلة المقبلة وفق رؤية اقتصادية واضحة.
ويؤكد محي الدين في حديثه لـ”الوطن” أن أوروبا تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره مصلحة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات السياسية إذ يسهم في دعم عودة اللاجئين والحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز الأمن الإقليمي إلى جانب إعادة تنشيط أحد أهم الممرات التجارية التي تربط الخليج وآسيا بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي السورية وهو ما يعيد لسوريا جزءاً من دورها الاقتصادي والجغرافي في المنطقة.
ويشير إلى أن هذا الإدراك يدفع فرنسا إلى التحرك مبكراً لضمان حضور اقتصادي مؤثر وعدم ترك الساحة السورية حكراً على الولايات المتحدة أو القوى الإقليمية الأخرى، ولا سيما أن مرحلة التعافي وإعادة الإعمار ستفتح فرصاً استثمارية واسعة في قطاعات حيوية تحتاج إلى خبرات وتمويل وشراكات طويلة الأجل.
ويضيف أن الشركات الفرنسية تمتلك خبرات متقدمة في قطاعات الطاقة والصناعات الاستخراجية والكهرباء والنقل والطيران وإدارة المرافئ والبنية التحتية والخدمات وهي مجالات يتوقع أن تستحوذ على الجزء الأكبر من الاستثمارات خلال السنوات المقبلة الأمر الذي يفسر الاهتمام الفرنسي بإرساء شراكات اقتصادية مبكرة مع سوريا.
ويبين محي الدين أن المنافسة الدولية على الاقتصاد السوري لا ينبغي النظر إليها باعتبارها صراعا بين القوى الكبرى بل فرصة يمكن لسوريا استثمارها عبر تنويع الشركاء الاقتصاديين وجذب رؤوس الأموال والاستفادة من نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية والفنية بما يسهم في تسريع عملية التعافي الاقتصادي ورفع كفاءة المؤسسات.
ويشدد على أن نجاح هذه المرحلة يتطلب مواصلة إصلاح بيئة الأعمال وتحديث التشريعات الاقتصادية وتعزيز الحوكمة والشفافية وتبسيط الإجراءات الإدارية.






