لم يعد تذبذب سعر الصرف في سوريا مجرد قضية نقدية بل تحول إلى عامل يؤثر في كلفة الإنتاج والأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق وفي ظل هذه التحديات يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة في تصريح لـ”الوطن” أن التعامل مع تقلبات سعر الصرف لا يمكن أن يقتصر على السياسة النقدية وحدها لأن المشكلة أصبحت أعمق من مجرد نقص في القطع الأجنبي فهي ترتبط ببنية الاقتصاد ومستوى الثقة واتجاهات الاستثمار والإنتاج ولذلك فإن حماية المنتج المحلي والمستهلك تتطلب حزمة متكاملة من السياسات النقدية والتجارية والمالية والإنتاجية القادرة على إعادة تحريك الاقتصاد الحقيقي وبناء مناعته أمام الصدمات.
الثقة قبل الدولار
يوضح محمد أن الاقتصادات التي تعاني اختلالات هيكلية عميقة مثل الاقتصاد السوري لا يمكن أن تنظر إلى سعر الصرف بوصفه مجرد انعكاس للعرض والطلب على العملات الأجنبية لأن سعر الصرف تحول إلى عامل مستقل يؤثر في التضخم ويزيد من الدولرة غير الرسمية ويعطل قدرة المنتجين والتجار على التسعير والتخطيط لذلك فإن الخطوة الأولى تتمثل في إعادة بناء الثقة بالسوق عبر توحيد سعر الصرف تدريجيا حول سعر توازني حقيقي يتم اكتشافه من خلال آلية شفافة سواء عبر منصة تداول بين المصارف أو من خلال المصرف المركزي نفسه مع إنهاء تعدد الأسعار بشكل تدريجي.
ويضيف أن نجاح هذه الخطوة يتطلب أيضا إعادة بناء احتياطيات القطع الأجنبي عبر وسائل غير تقليدية في المرحلة الحالية وفي مقدمتها تشجيع تحويلات السوريين في الخارج عبر القنوات الرسمية من خلال أسعار منافسة وحوافز حقيقية بما يعزز تدفق العملات الأجنبية إلى السوق الرسمية ويخفف الاعتماد على السوق الموازية.
ويؤكد أن الهدف ليس تثبيت سعر صرف وهمي وإنما إدارة التذبذب والحد من الصدمات الحادة عبر تدخلات مدروسة يستخدم فيها المصرف المركزي أدوات غير مباشرة مثل شهادات الإيداع بالعملات الأجنبية بعوائد مجزية أو أدوات مالية تستهدف امتصاص السيولة والحد من الضغوط على الليرة من دون استنزاف الاحتياطي.
حماية المصنع
ويرى محمد أن حماية الإنتاج المحلي يجب أن تصبح أولوية في المرحلة المقبلة لأن الإنتاج هو الضمان الحقيقي لاستقرار الاقتصاد ويقترح الانتقال من سياسة دعم الاستيراد إلى سياسة دعم الإنتاج عبر منح الأولوية في الحصول على القطع الأجنبي لاستيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج غير المتوافرة محليا بدلا من تمويل الاستيراد العشوائي.
كما يدعو إلى اعتماد سياسة إحلال مستوردات ذكية تقوم على إعداد قوائم تحدد السلع التي تحتاجها العملية الإنتاجية والسلع التي تمتلك بديلاً وطنياً مع فرض رسوم جمركية متحركة على السلع الكمالية والسلع المنتجة محليا بحيث ترتفع هذه الرسوم مع تراجع قيمة الليرة لحماية المنتج الوطني من الإغراق وتنخفض مع تحسن سعر الصرف بما يحقق توازناً بين حماية الصناعة والحفاظ على المنافسة.
ويشير إلى أن الدولة تمتلك أداة مهمة لتحفيز الإنتاج تتمثل في المشتريات الحكومية إذ يمكن توجيه العقود الحكومية نحو المنتجات الوطنية مع اشتراط نسب متزايدة من المكون المحلي الأمر الذي يخلق طلباً مستقراً يساعد الصناعيين على التخطيط والتوسع وزيادة الاستثمار.
كما يطرح تطوير أدوات تمويل جديدة تقدم من خلال المصارف العامة والخاصة بحيث يحصل المنتجون الزراعيون والصناعيون على تمويل مرتبط بالإنتاج الفعلي ويتم احتساب قيمة السداد وفقا لسعر الصرف عند بيع الإنتاج وليس عند الحصول على القرض الأمر الذي يخفف عنهم مخاطر تقلبات سعر الصرف ويشجعهم على زيادة الإنتاج.
حماية المواطن
ويؤكد محمد أن حماية المستهلك لا تتحقق من خلال رفع الأجور الاسمية فقط لأن أي زيادة في الدخل يمكن أن تتآكل بسرعة مع استمرار التضخم لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية التي تشكل العبء الأكبر على الأسر.
ويقترح في هذا الإطار إنشاء صندوق لتثبيت الأسعار يمول من الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الكمالية ومن العوائد التي تحققها تدخلات السياسة النقدية بحيث يستخدم هذا الصندوق لدعم أسعار الخبز والغاز والأدوية والمواد الأساسية عند حدوث ارتفاعات حادة في سعر الصرف بما يوفر شبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر تضرراً.
كما يشدد على أهمية تطوير التجارة الداخلية من خلال منصات رقمية تربط المنتج الزراعي والصناعي مباشرة بالمستهلك بما يقلل عدد حلقات الوساطة ويخفض التكاليف ويحد من انتقال آثار تقلب الدولار إلى السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.
اقتصاد يصنع مناعته
ويختتم محمد تصريحه للوطن بالتأكيد أن حماية الإنتاج المحلي والمستهلك ليست مسألة تقنية أو نقدية فقط وإنما هي خيار اقتصادي وتنموي يتطلب تغيير نموذج النمو والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج وقادر على الصمود ويضيف أن التركيز على استقرار سعر الصرف وحده لن يكون كافيا إذا بقي الاقتصاد ضعيف الإنتاج ومعتمداً على الاستيراد.
ويؤكد أن المطلوب هو بناء مؤسسات قوية وفي مقدمتها مصرف مركزي يتمتع باستقلالية حقيقية ويملك الأدوات اللازمة لمكافحة التضخم وإدارة السيولة إلى جانب مكافحة الفساد والاحتكارات وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجا بدلاً من دعم السلع بصورة عامة لأن الاقتصاد الذي يمتلك قاعدة إنتاجية قوية ويعتمد على الاستثمار والعمل والإنتاج سيكون أكثر قدرة على امتصاص تقلبات سعر الصرف وحماية الأسواق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.






