لم تكن السينما في حياة السوريين أمراً عابراً لسنوات طويلة، بل كانت صالات ودور العرض منتشرة بكثرة في معظم أنحاء البلد، إلا أن أزمة حقيقية تحيط بالحياة السينمائية السورية اليوم تكاد تكون جلية للجميع، بداية من صالات العرض مروراً بكم ونوع المادة الفيلمية المعروضة، وانتهاء بالتكريمات والمهرجانات التي تخوضها تلك الأفلام، وقد تعرضت خلال العقود الأخيرة إلى التحديات والعوائق المادية والتقنية والسياسية التي شكلت سبباً رئيسياً في تراجع الإنتاج.
على الجانب الآخر نشهد تألقاً وانتشاراً واسعاً للدراما السورية تخطى وتجاوز حدود المحلية ليصل إلى المستوى الإقليمي، ولعل ما يدمغ كلامنا توجه شركات الإنتاج الخليجية والتركية نحو النجوم والكتّاب السوريين لإنجاز أعمال درامية تحقق العائد المادي المطلوب بطريقة مضمونة.
في تصريح خاص لـ”الوطن”، كشف الناقد السينمائي نضال قوشحة أن الدراما السورية اليوم تسير في خط متوسط ومقبول بعض الشيء، لكن ليس بالمستوى الممتاز والمطلوب،
فيما تعيش السينما حالة صعبة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد أن انكفأ القطاع الخاص عن إنتاج أعمال سينمائية واكتفى بالإنتاج التلفزيوني، في وقت لا يستطيع فيه القطاع الحكومي أن ينهض بصناعة سينمائية حقيقية ومتكاملة في سوريا، ولاسيما أن التطور الأكبر للدراما كان على حساب شركات القطاع الخاص.
وتوجه قوشحة إلى رؤوس الأموال في شركات الإنتاج الخاصة بإعادة النظر إلى القطاع السينمائي، لإنتاج أعمال تتفوق على الإنتاج الحكومي، لعل العجلة تتحرك للأمام.
وأوضح أن الجهة الوحيدة المنتجة للسينما اليوم، هي المؤسسة العامة للسينما التي تعوقها بعض الظروف المحيطية والتي تخلق عندها بعض الإشكاليات الإدارية والبيروقراطية، إضافة إلى غياب خطة عمل واضحة وحالة ضبابية، وهو ما أثر بشكل سلبي بوجود إنتاج سينمائي جدير أن يضع سوريا على خريطة الإنتاج السينمائي الصحيح.
بدوره، لفت الكاتب مروان قاووق إلى أن السبب الأهم في انتشار ونجاح الدراما السورية وشعبيتها العربية يعود إلى تولي شركات القطاع الخاص إنتاج الأعمال الدرامية، على حين يقتصر الإنتاج السينمائي وينحصر في الجهة الحكومية المتمثلة بالمؤسسة العامة للسينما، وإلا لكان واقع الدراما كواقع السينما تماماً وربما تفوق عليها، مشيراً إلى أنها كأي قطاع حكومي تعرضت لنكسات كثيرة خلال العقود المنصرمة، علاوة على أنها أجبرت أن تتكلم بسردية النظام البائد وما يتوافق مع مخططاته.
وأكد قاووق أن التوجه للإنتاج الخاص في الدراما يعود إلى عدم تحقيق الأعمال الدرامية التي كان ينتجها القطاع الحكومي المكاسب المادية المنشودة أو المرضية، موضحاً أن قطاع السينما السورية كان يجري وفق خطة حكومية محكمة بتوجيهات النظام البائد وتنفيذ وزراء الثقافة السابقين الذين عملوا على ملء جيوبهم فقط وتهميش أي شكل ومظهر ثقافي.
وكشف قاووق أنه خلال سنوات الثورة تقدّم بنص سينمائي ولم يُقبل من الجهات الحكومية لأنه لم يمدح النظام البائد أو يهلل لبطولاته المزعومة، راجياً أن تحقق الأيام القادمة ألقاً وإشعاعاً عالمياً للسينما السورية.
أما الممثل سامر الجندي فكشف أن التركيز اليوم يتم على الدراما لأنها البوابة الأسرع للانتشار والنجومية (محلياً) وهي التي تحقق المكسب المادي المرجو إن صح القول، بينما يتجاهل الممثلون أن السينما تحقق الشهرة والانتشار عالمياً، إلا أن السينما تبقى على الهامش لأن المردود المادي الذي يجنيه الممثل فيها بعد عناء أشهر من البروفات والتحضيرات وضغوط العمل، وهو ما لا يغطي تكاليف المواصلات ربما.
وأكد أن صالات السينما اليوم باتت مهجورة وأن أصحابها لا يستطيعون تغيير أوصافها لعمل آخر، وهو ما شبهه بحال المسرح السوري اليوم.
كما عزا الجندي انخفاض عدد صالات السينما إلى تراجع العائد المالي لأصحابها، وعليه فذلك سيؤدي حتماً إلى عدم إجراء الصيانة الدورية اللازمة للقاعات ومعداتها وتجهيزاتها واستقدام المعدات الحديثة.






