أدرجت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو”، “مكتب عنبر” في مدينة دمشق على قائمة التراث في العالم الإسلامي، في خطوة أعادت أحد أبرز المعالم التاريخية السورية إلى واجهة الاهتمام الدولي، وعززت جهود حماية التراث الثقافي بعد انقطاع استمر 14 عاماً.
يقع “مكتب عنبر” في قلب مدينة دمشق القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ”اليونسكو”، ويُعد من أجمل البيوت الدمشقية التي شُيدت خلال العصر العثماني، كما يمثل أحد أبرز الشواهد على تاريخ التعليم والثقافة في سوريا.
شيد القصر التاجر الدمشقي يوسف عنبر في سبعينيات القرن التاسع عشر، ليكون داراً فخمة للإقامة، غير أن التكاليف الباهظة حالت دون إكمال المشروع، فآلت ملكيته لاحقاً إلى الدولة العثمانية، ومنذ ذلك الحين تغيرت وظيفة المبنى، ليصبح مدرسة حملت اسم “مكتب عنبر”، وهي من أهم المدارس المدنية التي شهدتها بلاد الشام في أواخر العهد العثماني، وتخرج فيها عدد كبير من الأدباء والمفكرين والسياسيين الذين كان لهم دور بارز في الحياة الثقافية والوطنية السورية والعربية.

واحتضن “مكتب عنبر” المدرسة الملكية التي كانت من أبرز المؤسسات التعليمية في دمشق، وأسهمت في تخريج أجيال من المثقفين الذين شاركوا في نهضة الفكر العربي بدايات القرن العشرين، وبذلك تحول إلى مؤسسة تعليمية أسهمت في تكوين نخبة من الشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية، وغدا جزءاً أساسياً من ذاكرة الحركة الفكرية السورية.
وبعد الاستقلال، استمرت أهمية المبنى الثقافية، إذ استخدم في مراحل مختلفة مقراً لمؤسسات ثقافية وتعليمية، قبل أن تتولى محافظة دمشق أعمال ترميمه وتأهيله ليصبح مركزاً ثقافياً يحتضن المعارض والندوات والأنشطة الفكرية، محافظاً بذلك على رسالته المعرفية التي امتدت لأكثر من قرن.
يتميز “مكتب عنبر” بتصميمه المعماري الفريد الذي يجمع بين الطراز الدمشقي التقليدي والزخارف العثمانية الراقية، ويعد نموذجاً متكاملاً لفنون العمارة السكنية في دمشق خلال القرن التاسع عشر، ويتألف المبنى من عدة باحات داخلية تتوسطها بحرات رخامية ونوافير مياه، وتحيط بها “الإيوانات” والغرف المزخرفة، فيما تزين جدرانه وأسقفه لوحات نباتية وهندسية منفذة بالخشب الملون والرخام والحجر الأبلق الذي اشتهرت به العمارة الدمشقية.
كما يضم القصر قاعات استقبال واسعة، وشرفات مطلة على الأفنية الداخلية، وأبواباً خشبية مطعمة بالصدف، إضافة إلى كتابات وزخارف عربية وإسلامية تعكس المستوى الرفيع للحرف التقليدية الدمشقية في تلك المرحلة.
ويرى باحثون في العمارة الإسلامية أن “مكتب عنبر” يمثل أحد أكثر الأبنية الدمشقية تكاملاً من حيث المحافظة على عناصره الأصلية، الأمر الذي جعله مرجعاً مهماً لدراسة تطور العمارة المدنية في بلاد الشام.
وتنبع أهمية “مكتب عنبر” من كونه يجمع بين القيمة المعمارية والتاريخية والثقافية في آن واحد، فهو يمثل أحد أبرز نماذج البيوت الدمشقية الكبرى، ويجسد تطور العمارة المحلية في القرن التاسع عشر، كما يرتبط بتاريخ التعليم الحديث في سوريا، ويختزن ذاكرة أجيال من الأدباء والمثقفين الذين شكلوا جزءاً من النهضة العربية الحديثة.
وتتجلى قيمته أيضاً في كونه شاهداً على مراحل متعاقبة من تاريخ دمشق، وعلى التحولات التي عرفها المبنى من قصر سكني فخم إلى مدرسة مدنية رائدة، ثم إلى مركز ثقافي يحتضن المعارض والندوات والأنشطة الفكرية.
الوطن – أسرة التحرير








