كشفت جلسة مجلس الأمن حول سوريا اليوم، عن تحول واضح في طبيعة المقاربة الدولية لدمشق، إذ باتت القضية السورية تُناقش في سياق مرحلة انتقالية تعمل خلالها الدولة على بناء مؤسساتها واستعادة سيادتها، ومعالجة إرث انتهاكات النظام البائد، بالتوازي مع إعادة دمج اقتصادها في المنظومة الدولية.
وتكمن أهمية الجلسة في أن هذا التحول ظهر في تقاطع مواقف دول متباينة، من الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وتركيا، حول ضرورة دعم وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها، مع اختلاف واضح في الأولويات والمقاربات.
وفي هذا السياق، حملت مداخلة نائب المبعوث الأممي كلاوديو كوردوني دلالة واضحة، حين ربط بين بدء أعمال مجلس الشعب وتشكيل المحكمة الدستورية العليا وبين بناء مؤسسات شاملة تلبي احتياجات السوريين، فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد استكمال الهيكل المؤسساتي للدولة، بل ترسيخ مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع السوري وإدارة الاختلافات ضمن القانون، بما يعزز الثقة بالعملية الانتقالية.

وفي هذا السياق، جاءت كلمة مندوب سوريا إبراهيم علبي، ليقدم صورة متكاملة عن الأولويات التي تريد دمشق تثبيتها في المرحلة الجديدة، فإبراز مشاركة الدفاع المدني السوري في إنقاذ العالقين في فنزويلا، ومشروع إعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، والتعاون في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يعبر عن توجه لإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة فاعلة في محيطها العربي والإقليمي والدولي.
وفي المقابل، وضعت الجلسة العدالة الانتقالية في صلب مستقبل سوريا، فحضور ممثلي هيئتي العدالة الانتقالية والمفقودين وعائلات الضحايا في مجلس الأمن يعكس توجهاً لإدخال ملف الحقيقة والمساءلة في صميم عملية بناء الدولة، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تأكيد علبي بدء محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في أحداث السويداء، وضمان عودة المهجرين وحماية حقوق أبنائهم.
وخلال الجلسة تكررت الدعوات إلى احترام وحدة الأراضي السورية، والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ووقف النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب، وصولاً إلى التأكيد على أن الجولان أرض سورية محتلة، وهذه المواقف تمنح الدبلوماسية السورية مساحة أوسع للتحرك، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن استكمال استعادة القرار الوطني يتطلب معالجة واقع الاحتلال والتدخلات الخارجية.
وعليه، فإن دلالة جلسة مجلس الأمن لا تقف عند حدود المواقف المؤيدة لسوريا، بل تتصل بتحول أوسع في التعامل الدولي مع دمشق، بعدما باتت ملفات بناء مؤسسات الدولة والعدالة الانتقالية وعودة السوريين وإعادة الإعمار واستعادة الدور الإقليمي حاضرة إلى جانب ملف السيادة، ما يعزز دور سوريا الإيجابي في المنطقة ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي والوطني.
الوطن – أسرة التحرير








