يترسخ يوماً بعد آخر، الإجماع على دعم سوريا الجديدة، ولا سيما في المحافل الدولية عبر احتضان الدولة ومؤسساتها، وما الاجتماع الذي شهده مجلس الأمن، أمس إلا خير دليل على ذلك، إذ تمخض عنه توافق دولي لافت على صوابية مواقف الإدارة السورية الجديدة، ليست السياسية منها فحسب، بل امتد إلى ما تقوم به الدولة على صعيد مؤسساتها.
في هذا الإطار، سبق أن أكد مجلس الأمن، غير مرة، عبر توافق أعضائه ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، لتأتي جلسة أمس بزخم مضاعف من خلال احتضان اللجان المؤسسية التي شكلتها دمشق للنظر في ملفات المفقودين وتحقيق العدالة الانتقالية، وفق أسس قانونية سليمة بعيداً عن الثأر والانتقام، وهي الرسالة التي وجهتها الإدارة الجديدة، إلى الداخل والخارج، منذ توليها مهامها في أواخر العام 2024.
في هذا السياق، جاءت إشارة الأمم المتحدة إلى أن الأمور رهن بالتنفيذ، فرغم تحقيق محطات مؤسسية مهمة خلال الفترة الماضية في سوريا، إلا نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس في نهاية المطاف بالمؤسسات التي يتم إنشاؤها فحسب، بل بكيفية عملها وأدائها، وهنا لابد من تسليط الضوء على تصريح نائب المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني عندما قال إن “بناء الثقة يتطلب نظاماً فعالاً ومتوازناً للحكم بمشاركة فاعلة للمرأة ولجميع مكونات المجتمع السوري، ويحقق تقدماً مستمراً في المساءلة والعدالة الانتقالية، ويُحدث تحسينات ملموسة في الحياة اليومية للسوريين”.

وتتقاطع تصريحات المسؤول الأممي مع التطورات التي شهدتها المؤسسات في سوريا خلال الفترة الأخيرة، ومن بينها تعيين الرئيس أحمد الشرع أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وبدء مجلس الشعب الجديد جلساته، إذ اعتبر كوردوني أن “تشكيل هاتين المؤسستين يعد محطة بارزة في العملية الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025″، ليؤكد، كذلك، أن الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية، مع بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية احتياجات جميع السوريين.
على خط مواز، جاءت الدعوة إلى مساندة سوريا في اقتناص فرصة الانتقال نحو التعافي المستدام إذ قالت إيديم وسورنو، مديرة شعبة الاستجابة للأزمات بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”: “بعد سنوات من الصراع والنزوح والانهيار الاقتصادي، تلوح الآن فرصة حقيقية لمساعدة السوريين على الانتقال من الاعتماد على المساعدات الطارئة نحو التعافي والاعتماد على الذات”.
هذه الدعوات أتت جنباً إلى جنب مع تجديد أعضاء الأسرة الدولية تأكيد وحدة سوريا وسيادتها على كامل أراضيها ومطالبة إسرائيل بإنهاء ممارساتها في جنوب سوريا، وحملت هذه النداءات قلقاً عميقا إزاء ما تقوم به قوات الاحتلال من استمرار عمليات التوغل والقصف وتحليق الطائرات المسيرة وفرض قيود على حركة المدنيين في محافظتي القنيطرة ودرعا.
في النتيجة، فإن مواقف مجلس الأمن ليست جديدة، فالمجتمع الدولي، منذ التحولات المهمة التي شهدتها سوريا في الثامن من كانون الأول 2024 إلى يومنا هذا، بدا وكأنه يسابق الزمن في استكشاف ما يمكن تقديمه لسوريا الجديدة، ولم يقتصر هذا على الدعم السياسي للبلاد بل تجاوزه إلى الوقوف مع مؤسسات الدولة، ولا سيما القانونية والقضائية منها، وبين الدعم الدولي والمواقف المعلنة من دمشق، يبقى التحول الحقيقي رهناً بمسار التنفيذ على أرض الواقع، بما يشكل الحجر الأساس في إعادة بناء الدولة، وفق مقاربة متوازنة.
الوطن – أسرة التحرير








