جاءت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح لتشكل أحد أبرز الملفات الاقتصادية والمالية المطروحة على طاولة الإصلاح إلا أن وزير الاقتصاد والمالية السابق الدكتور عبد الحكيم المصري يرى أن الإعلان عن الاستراتيجية، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً ما لم يتحول إلى منظومة تنفيذية متكاملة قادرة على استعادة الثقة المفقودة بالقطاع المالي السوري.
ويؤكد المصري أن المعركة ضد غسل الأموال لم تعد قضية مصرفية أو قانونية فحسب، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية وأمن مالي، لأن الأموال غير المشروعة لا تقوض استقرار الأسواق فقط، وإنما تمثل شرياناً لتمويل الجريمة المنظمة والإرهاب والاقتصاد الموازي، وهو ما يجعل مكافحتها جزءاً أساسياً من مشروع إعادة بناء الدولة.
ويشير إلى أن مفهوم غسل الأموال تطور بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، فلم يعد مقتصراً على إخفاء عائدات تجارة المخدرات، وإنما أصبح يشمل كل عملية تهدف إلى منح الشرعية لأموال ناتجة عن جرائم متعددة، مثل الإتجار بالبشر، وتهريب الأسلحة، والفساد، والتهريب، والجرائم المنظمة، وهي أنشطة تهدد الاقتصاد الوطني وتضعف قدرة الدولة على فرض سيادة القانون.

ويرى المصري أن أهمية الاستراتيجية تكمن في انتقالها من مجرد إصدار قوانين وتشريعات إلى بناء منظومة وطنية متكاملة، تشارك فيها مؤسسات الدولة كافة، من مصرف سوريا المركزي وهيئة مكافحة غسل الأموال، مروراً بوزارات الداخلية والعدل والمالية والاقتصاد والاتصالات، وصولاً إلى الأجهزة الأمنية والقضائية وهيئات المنافذ والجمارك.
وبحسب المصري، فإن هذا التنسيق المؤسسي يمثل نقطة قوة حقيقية، لأنه يربط بين الأمن والاقتصاد والعدالة في إطار واحد، ويؤسس لما يعرف عالمياً بـ”الأمن المالي”، وهو مفهوم يتجاوز حماية القطاع المصرفي ليشمل حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الأموال المشبوهة والتمويل غير المشروع.
ويشدد الوزير السابق على أن استعادة ثقة العالم بالنظام المالي السوري لن تتحقق بالشعارات، وإنما بالالتزام الكامل بالمعايير الدولية، وسرعة الاستجابة لطلبات البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية، وتعزيز الشفافية عبر إصدار تقارير دورية توضح نتائج مكافحة غسل الأموال، والإجراءات المتخذة بحق المخالفين، بما يبعث رسائل واضحة للمجتمع المالي الدولي بأن سوريا تتجه نحو بيئة مالية أكثر انضباطاً.
ويعتبر المصري أن أحد أهم أهداف الاستراتيجية يتمثل في حماية المستثمر الحقيقي، لا من خلال الامتيازات فقط، وإنما عبر توفير بيئة قانونية مستقرة، وآليات مالية شفافة، وضمان حرية إدخال رؤوس الأموال وتحويل الأرباح والأجور وفق الأصول القانونية، وهو ما يشكل شرطاً أساسياً لأي عملية استثمار مستدامة.
وفي المقابل، لا يغفل المصري حجم التحديات التي تواجه تنفيذ الاستراتيجية، مؤكداً أن الاقتصاد السوري لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية، في حين ما زالت نسبة كبيرة من التحويلات المالية تتم خارج القنوات الرسمية، نتيجة ضعف البنية التحتية المصرفية والرقمية، وهو ما يحد من فعالية الرقابة ويزيد من مخاطر الاقتصاد غير المنظم.
كما يلفت إلى أن الحدود الطويلة لسوريا وما تشهده من محاولات مستمرة لتهريب الأسلحة والمخدرات والأموال غير المشروعة تجعل من ضبط المعابر أولوية لا تقل أهمية عن إصلاح القطاع المصرفي، لأن نجاح أي استراتيجية لمكافحة غسل الأموال يبدأ من السيطرة على مصادر تدفق الأموال غير القانونية.
ولا يتوقف الأمر عند الحدود، إذ يؤكد المصري أن بناء الكفاءات البشرية يمثل أحد أكبر التحديات، سواء في القضاء أو الجمارك أو القطاع المصرفي أو وحدات الامتثال والتحريات المالية، لأن مكافحة الجرائم المالية أصبحت تعتمد على خبرات تقنية ومحاسبية وقانونية متقدمة، تتطلب تدريباً مستمراً ومواكبة للتطورات الدولية.
ويرى أن التكنولوجيا أصبحت اليوم السلاح الأهم في مواجهة غسل الأموال، داعياً إلى بناء شبكة إلكترونية تربط المصارف وهيئة مكافحة غسل الأموال والجمارك والمنافذ الحدودية والوزارات المعنية، بما يسمح بتبادل المعلومات بشكل فوري وتتبع العمليات المالية المشبوهة قبل تحولها إلى تهديد اقتصادي أو أمني.
كما يؤكد أن التزام سوريا بتوصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) ومعايير لجنة بازل وغيرها من الأطر الرقابية العالمية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة لعودة المصارف السورية إلى شبكة العلاقات المالية الدولية، ولتقليل المخاطر التي تواجه التحويلات والاستثمارات الخارجية.
وفي هذا السياق، يشير المصري إلى أن الخروج من “المنطقة الرمادية” لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين، وإنما عبر إثبات القدرة على تطبيقها، وإظهار نتائج ملموسة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز تصنيف سوريا المالي ويخفض مستوى المخاطر المرتبط بالتعامل معها.
ويخلص الوزير السابق إلى أن رفع العقوبات، رغم أهميته، لن يكون كافياً لتحقيق التعافي الاقتصادي إذا لم تترافق معه إصلاحات مؤسسية وتشريعية حقيقية، تقوم على الحوكمة والشفافية واستقلالية المؤسسات الرقابية وحماية القطاع الخاص باعتباره شريكاً في التنمية، لا خصماً للدولة.
ويختتم المصري مؤكداً أن الاستراتيجية الوطنية تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد السوري، لكنها ستبقى مجرد وثيقة رسمية إذا لم تتحول إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، تضمن تطبيق القانون، وتعزز الشفافية، وتحارب الاقتصاد غير المشروع، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الأمن المالي كمدخل للتعافي الاقتصادي والاستقرار الوطني.








