تعود علاقة سوريا بمنظمة الأمم المتحدة إلى البدايات الأولى للنظام الدولي المعاصر، إذ كانت من الدول المؤسسة للمنظمة عام 1945، وشكل حضورها في مؤسساتها ومنابرها الدولية طوال عقود أحد مسارات سياستها الخارجية، قبل أن تتراجع مكانتها تدريجياً بفعل سياسات النظام البائد وما خلفته من عزلة دولية خلال سنوات الثورة السورية المباركة.
ومنذ انضمامها إلى الأمم المتحدة، أدت سوريا أدواراً متعددة في أجهزة المنظمة ومؤسساتها، وشاركت في مناقشة القضايا الدولية والإقليمية، ولاسيما ملفات الأمن والسلم الدوليين، والقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كان حضورها في المنظمات والوكالات الدولية المتخصصة جزءاً من نشاطها الدبلوماسي، في إطار ما تتيحه العضوية الدولية من أدوات للمشاركة في صياغة القرارات والمواثيق والمعايير الناظمة للعلاقات بين الدول.
وعلى مدى عقود، شكلت المنابر الأممية مساحة رئيسة للدبلوماسية السورية، التي وظفت عضوية سوريا في الأمم المتحدة للدفاع عن قضاياها الوطنية والعربية، والتفاعل مع التحولات السياسية والأمنية في المنطقة، وكان للجولات الدبلوماسية السورية في أروقة المنظمة الدولية حضور لافت، قبل أن تبدأ العلاقة بالتراجع مع تصاعد ممارسات النظام البائد، وصولاً إلى سنوات الثورة السورية التي شهدت تدهوراً غير مسبوق في صورة سوريا وعلاقاتها الدولية.

فبدلاً من أن تكون الأمم المتحدة منصة للحضور الدبلوماسي السوري والتفاعل مع المجتمع الدولي، تحولت سوريا خلال تلك السنوات إلى ملف دائم على أجندة مجلس الأمن والجمعية العامة ومؤسسات الأمم المتحدة، بفعل الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق السوريين، وما رافقها من أزمات إنسانية ونزوح ولجوء ودمار واسع، وأدى ذلك إلى تراجع الدور السوري الفاعل داخل المنظومة الدولية، وتكريس صورة دولة مأزومة تخضع لقرارات وإجراءات دولية متتالية.
ومع سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024، بدأت صفحة جديدة في تاريخ العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة، فقد انتقلت دمشق تدريجياً من موقع الدولة التي كانت موضعاً للنقاش الدولي إلى موقع الدولة التي تسعى إلى استعادة دورها الطبيعي في المؤسسات المتعددة الأطراف، مستفيدة من التحول السياسي الداخلي والانفتاح الدولي المتزايد على سوريا الجديدة.
وظهر هذا التحول في تنامي التواصل المباشر بين القيادة السورية والمنظمة الدولية، وعودة الحضور السوري الفاعل إلى منابر الأمم المتحدة، وصولاً إلى زيارة الرئيس أحمد الشرع مقر المنظمة الدولية ومشاركته في اجتماعاتها، كما انعكس الانفتاح الجديد في استعادة سوريا حقوقها ومشاركتها في عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية، بالتوازي مع تحسن العلاقات الدولية ورفع العقوبات التي فرضت على البلاد خلال عهد النظام البائد.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق، المرتقبة هذا الأسبوع، أهمية بالغة باعتبارها محطة في مسار إعادة بناء موقع سوريا داخل النظام الدولي على أساس سيادتها ووحدة أراضيها ومصالحها الوطنية، فالدبلوماسية السورية الجديدة لا تعمل اليوم على استعادة مقعدها في المنظمات الدولية فحسب، بل تسعى إلى استعادة الدور والتأثير، وتوظيف انفتاحها الدولي في بناء شراكات فاعلة والمساهمة في صياغة مستقبل المنطقة، بما يعيد لسوريا مكانتها كدولة فاعلة ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.
الوطن – أسرة التحرير








