أعاد الكاتب والباحث إبراهيم الجبين فتح ملفّ التحولات الشعرية الكبرى في سوريا، متوقفاً عند محطات مثيرة للجدل في تاريخ القصيدة السورية، وطارحاً سؤالاً جوهرياً: هل كان مسار الحداثة طبيعياً أم انقلابياً؟، وذلك في محاضرة ألقاها في دار الأوبرا بدمشق بعنوان “الانقلابية في الحركة الشعرية السورية”، ضمن فعاليات اليوم الثاني لمهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، مستعرضاً التحولات التي شهدها الشعر السوري، وأثر الاستبداد، والفروق بين الثورية والتحديث والانقلاب في ميدان الشعر.
واستهل الجبين حديثه باستحضار نزار قباني وخليل مردم بك، وكلاهما كان يُوصف بـ”شاعر الشام”، بينما كان آخرون يرون أن القصيدة السورية لم تتطوّر إلا عبر تدخلات أيديولوجية غير شريفة.
وأشار الجبين إلى أن الحداثة الشعرية في سوريا لم تكن نتاج تطور طبيعي، بل جاءت مدعومة بقوى خارجية، مستغرباً كيف لم تكن مجلة شعرية مجرد مصادفة حين تموّلت من إحدى الدول العظمى، مضيفاً إن هناك رغبة وإرادة بالتمويل من هيئات حكومية لا تصرف سعر قلم من دون مبرر، فانظر كيف تموّل مجلة قادت المشهد حينذاك.

وأوضح أن الصراع بين النمط الحديث والقديم نشأ مع وصول الأنظمة السياسية إلى الحكم، حاملةً معها كتّابها وشعراءها، بينهم الصالح والطالح، لكنهم جميعاً رسّخوا الأمر ذاته، وهو التحديث القسري، وفرضوا هيمنتهم على المنابر، ومنعوا القصيدة الخليلية التقليدية لمصلحة حداثة تقوم على خصومة غير نبيلة.
وأكد الجبين أن هؤلاء الشعراء لم يكونوا مكرّسين لأنهم مهمون، بل لأنهم كانوا مقربين من السلطة، واستمدوا شرعيتهم من موقعهم السياسي لا من قيمة نصوصهم وإبداعهم.
واستشهد بواقع الدواوين في ستينيات القرن الماضي، واصفاً إياها بأنها غاية في الرداءة، مشيراً إلى أن الشاعر المكرّس كان يكتب قصيدة كاملة عن منشفة على مدخل بيته على سبيل المثال، بينما كانت الناس تُطرد من بيوتها وتموت في مناطق مجاورة أو في نفس المنطقة، فكان هو مشغولاً بتفاصيل غير ذات أهمية، متجاهلاً الكرامة والعنفوان والعز.
وأرجع الجبين تراجع القصيدة العمودية إلى تأثير أيديولوجي وسياسي، أدى إلى تواري القضايا الكبرى، مثل الكرامة والعدالة، لمصلحة حداثة فارغة، لكنه أعلن انتعاش القصيدة العمودية في سوريا بعد التحرير، معتبراً أن عودتها اليوم ليست مصادفة، بل لأن الأذن العربية اشتاقت إلى الإيقاع، وهو ليس مجرد بحر وقافية، بل منهج تفكير وانضباط.
ودعا إلى رصد هذه الظاهرة ودراستها، ولفت الانتباه إليها لدى المختصين، متمنياً أن يترك الناس يكتبون ما يشاؤون، ومؤكداً أن الشعراء السابقين لم يكن لديهم حرية فعلية في الكتابة.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، تحدث الجبين عن تغير موقع القارئ اليوم، معتبراً أنه صار أكثر أهمية من كثير من الكتّاب، لأنه قارئ متعمّد ونزيه، بينما عاشت الأعمال الأدبية في فترات سابقة داخل دائرة ضيقة كان الكتّاب أنفسهم يصدرون الكتب ويقرؤونها ويكتبون عنها.
وأشار إلى أن اختلاف الذائقة الشعرية لم يكن مجرد اختلاف أمزجة أسلوبية، بل نابع من مواقف فكرية وسياسية وربما طائفية أيضاً، وهو ما يبحثه ويدرسه ويحلّله حالياً.
وأكد الجبين في الختام أن ستين سنة من خراب القيم لا يمكن ترميمها بأيام وشهور وأعوام معدودة، معقداً أمله على الأجيال القادمة، وطارحاً سؤالاً مفتوحاً حول إمكانية تجاوز هذا التراث الثقيل، واستعادة القصيدة لمكانتها النقية بعيداً عن إملاءات السلطة والأيديولوجيا.








