مع تسارع خطوات دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، تبدو المفاوضات وقد بلغت مرحلة متقدمة تضع قيادات “قسد” أمام اختبار حقيقي بين خيار الاندماج الكامل الذي توفر له الدولة تسهيلات واسعة، وبين تعنت بعض الأطراف الداخلية التي لا تزال تراهن على إطالة أمد الواقع الراهن.
مع تسارع خطوات دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، وما توفره دمشق من تسهيلات واسعة لإنجاز هذا الاستحقاق، تكشف تصريحات متضاربة صادرة عن قيادات “قسد” نفسها حجم الانقسام الداخلي الذي يهدد مسار الاندماج.
فبينما يتحدث قادة ميدانيون عن اقتراب حسم الملف وحل التشكيلات العسكرية، تُقر الرئيسة المشتركة السابقة لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” إلهام أحمد صراحة بوجود “جهات شوفينية” تسعى إلى إفشال الاندماج، وبأن “البعض منزعج وغير راضٍ عن فكرة الاندماج مع الدولة”.

هذا الاعتراف يضع قيادة “قسد” أمام اختبار حقيقي: هل تملك القدرة على ضبط بيتها الداخلي وإلزام أطرافها المتشددة، أبرزها ما يسمى بتيار “الشبيبة الثورة”، بتعهداتها أمام الدولة السورية والقانون الدولي، أم تنجر خلف أجنحة داخلية ترى في الاندماج تفريطاً بمشروعها؟
بالمقابل، أكد محافظ الحسكة نور الدين أحمد، أن أغلب الخطوات التمهيدية لعملية الدمج قد انتهت فعلياً، مشيراً إلى أن الملفات المتبقية تتركز على عودة المهجرين، وملف اللغة والمناهج، وتفعيل القضاء، والتعيينات الإدارية في المناطق والنواحي، معتبراً أن ما تبقى بعد ذلك “تحصيل حاصل”.
وفي السياق ذاته، كشف نائب المحافظ والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بملف الدمج أحمد الهلالي، أن مسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية وصل إلى مراحل متقدمة، وأن الفريق تجاوز أصعب المراحل، متوقعاً إعلاناً قريباً عن حل ما يسمى “الإدارة الذاتية”.
من جانبه، ذهب قائد ما يعرف بـ”لواء عين العرب” محمود برخودان إلى حد الإعلان عن قرب حل وحدات حماية الشعب وإنهاء هيكل الإدارة الذاتية بشكل كامل، مؤكداً دمج نحو 10 آلاف مقاتل ضمن الجيش السوري حتى الآن، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 12 ألفاً، ومشدداً على رفض أي طرح لفصل مناطق شمال شرق سوريا عن الدولة.
هذا الانقسام لا يمر دون ملاحظة من الجانب التركي، إذ شدد السفير التركي نوح يلماز على أن أنقرة تراقب عملية الدمج عن كثب، وتنتظر أن يفي حزب العمال الكردستاني بتعهداته، معبراً عن التزام تركيا بدعم الدولة السورية في بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها، وهو موقف ينسجم مع ما يفرضه القانون الدولي من مبادئ راسخة تؤكد وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة المركزية، وترفض أي شكل من أشكال الازدواجية المؤسسية أو الاحتفاظ بتشكيلات مسلحة خارج إطار الجيش الوطني.
وبين تسهيلات تقدمها دمشق لإتمام الاندماج بأقل الأضرار، وضغط دولي وإقليمي متصاعد، تبدو “قسد” اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إتمام الاستحقاقات كاملة بما ينسجم مع اتفاق 29 كانون الثاني، أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع الدولة السورية ومع شرعية دولية لا تمنح “الإدارة الذاتية” أي غطاء قانوني، ويبقى الرهان الأكبر على قدرة قيادات “قسد” على حسم موقفها الداخلي قبل أن تتجاوزها التطورات المتسارعة في المنطقة.
أسرة التحرير








