يمثل ملف وسيم بديع الأسد، ابن عم المجرم بشار الأسد، أحد أبرز ملفات العدالة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام البائد، إذ يجمع بين تزعم ميليشيات محلية قمعت السوريين منذ عام 2011، وتزعم شبكة إقليمية لتهريب الكبتاغون بالشراكة مع تاجر المخدرات اللبناني نوح زعيتر.
ومع دخول محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق مراحلها الحاسمة، وطلب النيابة العامة توقيع عقوبة الإعدام بحقه، يستعرض هذا التقرير أبرز محطات مسيرته الإجرامية موثقة بالوقائع والتواريخ.
من هو وسيم الأسد

وُلد وسيم بديع الأسد عام 1980، وينتمي إلى فرع بعيد من عائلة الرئيس المخلوع بشار الأسد وهو ابن عم له، عُرف باستعراض ثروته على مواقع التواصل، وراكمها -بحسب التحقيقات- من تجارة المخدرات والابتزاز وفرض الإتاوات على التجار، وتُقدّر عائداته بمئات ملايين الدولارات.
من “الشبيحة” إلى قيادة الميليشيات
منذ الأشهر الأولى للثورة السورية عام 2011 وحتى سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024، برز وسيم الأسد بوصفه أحد أبرز قادة “الشبيحة” وزعماء الميليشيات الرديفة لقوات النظام البائد في مناطق الساحل، أسس ميليشيا “درع الأمن العسكري” التي عُرفت لاحقاً باسم “درع الأسد”، ونفذت عمليات اعتقال وقمع واسعة استهدفت النشطاء والمحتجين، وارتبط اسمها بحوادث قتل واختطاف وابتزاز وسرقة، كما قاد مجموعات تابعة لـ”كتائب البعث” وميليشيا “الدفاع الوطني” التي قاتلت إلى جانب قوات النظام البائد في محافظات عدة.
وبحسب لائحة الاتهام في محاكمته، أدار وشكل ميليشيات مسلحة غير نظامية بتكليف من العميد الفار غياث دلا، قائد لواء في الفرقة الرابعة بقيادة المجرم ماهر الأسد، منذ مطلع 2011، شاركت في عمليات عسكرية واسعة استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية وبلدة المليحة تحديداً، أسفرت عن مقتل عدد كبير من المدنيين، إضافة إلى مسؤوليته عن حادثة قتل في جرمانا والضلوع في مجازر خلال تلك العمليات.
كما أسس شركة “أسد الساحل” للاستيراد والتصدير، استُخدمت -بحسب الاتهامات- كواجهة لتجارة المخدرات، وانضم لاحقاً إلى ميليشيا “الفيلق الخامس” قبل أن ينسحب ويظهر بمظهر “رجل الأعمال”، وفي 1 كانون الأول 2024، قبيل سقوط النظام بأيام، أعلن تجهيز “مجموعات إسناد وحماية” رديفة للجيش في محاولة أخيرة لدعمه.
شراكة الدم والمال: وسيم الأسد ونوح زعيتر
منذ عام 2013، أسس وسيم الأسد بالشراكة مع زعيم إمبراطورية المخدرات في لبنان نوح زعيتر وشخصيات من ميليشيا حزب الله وضباط أمن الفرقة الرابعة، شبكة فساد دولية لتصنيع وتصدير الكبتاغون إلى الخليج العربي وأوروبا، وترتكز العلاقة على: الغطاء الأمني، والتصنيع والتصدير عبر الموانئ السورية؛ والملاذ الآمن المتبادل.
ونفى وسيم الأسد مراراً أي شراكة تجارية مع زعيتر، زاعماً أن تعارفهما جاء عبر صورة في معركة القصير 2013، وأن نوح “يزرع الحشيش وليس الكبتاغون”، لكن قاضي التحقيق واجهه بالرفض مؤكداً أن زعيتر “تاجر مخدرات خطير”.
العقوبات الدولية وشبهة إسرائيل
في 28 آذار 2023، فرضت الخزانة الأميركية عقوبات مشتركة مع بريطانيا على ستة أشخاص من بينهم وسيم الأسد ونوح زعيتر لدعمهم النظام البائد عبر الكبتاغون، تلاها الاتحاد الأوروبي بعقوبات مماثلة، كما كشفت الأجهزة الأمنية السورية عن وصول أجهزة تجسس إسرائيلية إلى سوريا أواخر نيسان 2025 ضمن شحنات “طاقة شمسية” عبر ميناء اللاذقية، وربطت تقارير إعلامية اسمه بهذه الشحنة الموجهة لمقربين سابقين من الفرقة الرابعة، دون أن يصدر تحقيق رسمي قاطع بذلك.
الاعتقال ومسار المحاكمة
وفي 21 حزيران 2025، أعلنت الداخلية السورية اعتقال وسيم الأسد بعملية استغرق التحضير لها ستة أشهر، عبر كمين على الحدود مع لبنان في تلكلخ، ووصفته بـ”المجرم ومن أبرز تجار المخدرات”، مؤكدة أن جرائمه درت عليه مئات ملايين الدولارات من تجارة المخدرات وابتزاز السوريين وبيع مصير المعتقلين.
وعقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق جلستها الأولى في 24 حزيران 2026 برئاسة القاضي فخر الدين العريان، الذي تلا لائحة اتهام شملت: إدارة مجموعات مسلحة غير نظامية منذ 2011 بتكليف من العميد غياث دلا، والمشاركة في عمليات استهدفت الغوطة الشرقية، والمسؤولية عن قتل في جرمانا، والتحريض على العنف، وتهريب المخدرات، وجرائم سلب وابتزاز، وعلاقته بزعيتر، معتبراً أن الأفعال تندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأنكر المتهم كل التهم.
وفي الجلسة الثانية (15 تموز 2026، مغلقة)، أدلى تسعة شهود بإفادات عن ابتزاز منهجي ووعود كاذبة لسلب أموال الضحايا وتهديدهم واحتجازهم، وروى أحدهم أن المتهم أطلق النار على قدمه لعدم دفعه مالاً.
أما الجلسة الثالثة (22 تموز 2026)، فطالبت فيها النيابة العامة بإدانته بالقتل العمد والاتجار بالمخدرات والاعتداء على السلامة الوطنية، وطلبت توقيع عقوبة الإعدام، رد المتهم بأنه “لا يستحقها”، فيما ناشد محاميه المكلف الرأفة، وأجلت المحكمة النظر في القضية للمداولة.
نهاية “إمبراطورية الكبتاغون”: نموذجاً للعدالة الانتقالية
يمثل ملف وسيم الأسد نموذجاً لآلية عمل منظومة “الشبيحة” التي أرست حكم النظام البائد على القمع والفساد: من قيادة ميليشيات قمعت الحراك الشعبي، إلى شراكة إقليمية في تهريب الكبتاغون مع شبكات كشبكة نوح زعيتر، مروراً بالابتزاز واستغلال النفوذ العائلي، ويشكل مثوله أمام القضاء وطلب النيابة إعدامه محطة بارزة في مسار العدالة الانتقالية الذي تنتهجه الحكومة السورية برئاسة الرئيس الشرع لمحاسبة رموز النظام البائد.
أسرة التحرير








