بين عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب الدكتور مصعب شبيب أن قطاع الاتصالات وتقانة المعلومات يعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، لذا فإن تطويره في سورية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد تحسين لشبكات الهاتف والإنترنت، بل باعتباره جزءاً من مشروع وطني للتحول الرقمي وإعادة بناء الاقتصاد.
وفي تصريح لـ “الوطن” أكد شبيب أن الدور الرقابي على قطاع الاتصالات يكتسب أهمية استثنائية، لأن حجم الاستثمارات والمشاريع التقنية، وطبيعة العقود، وسرعة التطور التكنولوجي، كلها تتطلب منظومة رقابية قادرة على فهم التفاصيل الفنية والاقتصادية إلى جانب الجوانب الإدارية والقانونية.
وأضاف: من وجهة نظر فنية، فإن الرقابة الفاعلة على هذا القطاع الحيوي لا ينبغي أن تقتصر على اكتشاف المخالفات بعد تنفيذ المشاريع، بل يجب أن تبدأ منذ مراحل التخطيط ودراسة الجدوى والتعاقد، من خلال تقييم المخاطر ومراجعة آليات الإنفاق واختيار التقنيات والموردين، ومتابعة مؤشرات الأداء وجودة التنفيذ، وهنا تبرز أهمية أن تمتلك الجهات الرقابية كوادر متخصصة في الاتصالات والشبكات والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي وإدارة المشاريع، لأن الرقابة على مشروع تقني معقد لا يمكن أن تعتمد فقط على الأدوات التقليدية.

و فيما يتعلق بتأخر تنفيذ مشاريع تطوير القطاع، أكد شبيب أنه من المهم التعامل مع هذا الأمر بصورة موضوعية، لأن التأخير غالباً ما يكون نتيجة تراكم عدة عوامل، منها الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحديث التشريعات والأنظمة الناظمة، وتأمين التمويل والاستثمارات، وتعقيد إجراءات التعاقد والشراء، ونقص بعض الاختصاصات الفنية، إضافة إلى الحاجة لإعادة هيكلة بعض المؤسسات وآليات العمل المتبعة فيها، كما أن مشاريع الاتصالات الكبرى تحتاج إلى تنسيق مستمر بين عدة جهات، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطالة دورة اتخاذ القرار والتنفيذ.
ورأى شبيب أن تسريع تطوير قطاع الاتصالات يحتاج إلى ضرورة الانتقال من إدارة المشاريع بأسلوب تقليدي إلى إدارة قائمة على الأولويات ومؤشرات الأداء، لافتاً إلى أن ذلك يبدأ بوضع خريطة طريق وطنية لقطاع الاتصالات، تحدد المشاريع الأكثر تأثيراً على المواطن والاقتصاد، مع جدول زمني واضح، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآلية دورية لتقييم الإنجاز ومعالجة التعثر، فضلاً عن تبسيط الإجراءات الإدارية والاستثمارية، دون المساس بالشفافية أو حماية المال العام، وإيجاد بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات والشراكات مع القطاع الخاص، والأهم من ذلك بناء علاقة تكاملية بين الإدارة والرقابة، باعتبار أن الرقابة الحديثة لا تعني تعطيل القرار، إنما ضمان اتخاذ القرار الصحيح وفق أسس قانونية وفنية واقتصادية سليمة، مبيناً أن تحقيق ذلك يتم من خلال الرقابة الوقائية وإدارة المخاطر بدلاً من الاقتصار على الرقابة اللاحقة، مع اعتماد أنظمة رقمية لمتابعة المشاريع والعقود ومؤشرات التنفيذ بصورة مستمرة.
وختم بالقول: إن تحسين خدمات الاتصالات يتطلب الجمع بين ثلاثة عناصر أساسية وهي قرار إداري سريع، واستثمار مستدام، ورقابة متخصصة وشفافة، وعندما يتم العمل على هذه العناصر ضمن منظومة واحدة، تصبح الرقابة عاملاً لتسريع الإنجاز ورفع كفاءة الإنفاق، وليس عائقاً أمام التطوير، بما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وقدرة سورية على بناء اقتصاد رقمي حديث.
يشار إلى أن وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل استعرض خلال جلسة عمل موسعة أمس مع رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي رؤية الوزارة لتطوير قطاع الاتصالات والتكنولوجيا في سورية، والمشاريع التحولية التي تقودها لإعادة بناء القطاع، وتحديث بنيته المؤسسية والتنظيمية، وتحسين خدماته، وجذب الاستثمارات اللازمة لتطوير بنيته التحتية وإجراء التحول اللازم في اقتصاديات الاتصالات.
وأكد هيكل أن فاعلية الدور الرقابي تبدأ من فهم رؤية الوزارة وأهداف مشاريعها وطبيعة التحولات التي تديرها، ولا سيما أن تطوير القطاع يتطلب قرارات تنفيذية واستثمارية متتابعة ضمن بيئة سريعة التغير. وأشار إلى أهمية أن تسهم الرقابة في حماية المال العام وتصويب الخلل، مع الحفاظ على قدرة الإدارة على اتخاذ القرار والإنجاز، بما يجعلها شريكاً في الحوكمة والتطوير المؤسسي.
وثمّن وزير الاتصالات حرص الهيئة على فهم طبيعة المشاريع التحولية التي تقودها الوزارة، وبناء علاقة تكاملية بين الرقابة والإدارة تدعم النزاهة والإنجاز معاً.
كما ناقش اللقاء سبل تعزيز الرقابة الداخلية في الوزارة والجهات التابعة لها، وتطوير مهارات كوادرها عبر برامج تدريبية متخصصة تراعي الطبيعة الفنية والاستثمارية لقطاع الاتصالات والتكنولوجيا.
واتفق الجانبان على مواصلة التنسيق وعقد لقاءات دورية تتيح الاطلاع المتبادل على برامج الوزارة ومشاريعها، وتسهم في بناء ممارسة رقابية مواكبة لطبيعة قطاع الاتصالات ومتطلبات تطويره، بما يعزز النزاهة وكفاءة الأداء، ويدعم تنفيذ المشاريع وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.








