تتمتع مدينة إدلب بتاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، حيث كانت شاهداً على تعاقب الحضارات المختلفة التي تركت بصماتها الواضحة في معالمها وآثارها، ومن أبرز معالمها الأثرية كنيسة “قلب لوزة” التي تعد واحدة من أقدم الكنائس البيزنطية في سوريا، وتمتاز بتصميمها المعماري الرائع الذي يجمع بين البساطة والجمال، وتُعتبر الكنيسة مصدر إلهام معماري للعديد من الكنائس حول العالم.
كما تعتبر الكنيسة تحفة سورية خالدة بما تختزنه من قيمة تاريخية ومعمارية وروحية، لتبقى أحد أهم الكنوز الأثرية السورية، ونموذجاً فريداً لعبقرية المعماري السوري في العصر البيزنطي، وشاهداً على الدور الحضاري الذي لعبته سوريا في تشكيل ملامح العمارة الدينية في العالم.
وتقع الكنيسة ضمن قرية “قلب لوزة” الأثرية في جبل “باريشا”، وتبعد 35 كم شمال غرب إدلب، وعلى مقربة من طريق عام معرتمصرين – حارم.
ووفق الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو”، تُعد الكنيسة من أبرز المعالم الأثرية المدرجة ضمن موقع “القرى الأثرية في شمال سوريا” المسجل على قائمة التراث العالمي منذ عام 2011.
وفي كتابه “قلب لوزة.. درة الكنائس السورية”، رأى المؤرخ والباحث الراحل فايز قوصرة، أن اسم “قلب لوزة” يرتبط بالدلالة اللغوية للفعل “لاذ”، أي لجأ واحتمى، مشيراً إلى أن الموقع كان ملاذاً للسكان خلال فترات الاضطراب، وكان يعرف قديماً باسم “قصر لوزة”، قبل أن يتطور الاسم مع اتساع التجمع السكاني واستقرار الأهالي فيه.
الفن الزخرفي اليوناني
يبلغ طول بناء الكنيسة 25 متراً وعرضها 15 متراً، وهي ذات صحون ثلاثة، وتتألف من أروقة على الجانبين مُزَيَّنَة بزخارف جميلة، وتعلوها أعمدة وتيجان، ويحيط بها سور من الحجر الكلسي الكبير.
وتتألف من الرواق أو الدهليز وهو الممر المسقوف أمام الكنيسة، والصحن وهو المكان المخصص لاجتماع الناس في الكنيسة، ويمتد من الباب حتى قدس الأقداس، وبيت القدس أو الهيكل وهو في وسط الكنيسة، وفيه يُقَامُ المذبح، وغرفة الشهداء وهي الغرفة الجنوبية من البناء، وغرفة الشمامسة أو غرفة الخدم المحاذية للمذبح من جهة الشمال.
وتعد من أولى الكنائس التي نجد فيها الجناح الرئيسي محمولاً على دعائم متينة ضخمة ترتكز عليها الأقواس عوضاً عن الأعمدة، علماً أن اتساع هذه الأقواس يؤمّن دمج الجناحين الجانبيين بالجناح الرئيسي ويضفي الوحدة على حجم الكنيسة، علاوة على ذلك فالمحراب بارز ونضده الخارجي كثيف ومحمول على صف من الأعمدة فوق بعضها بعضاً، يتقدمه ممر عميق وعلى جانبيه تقع حجرتا “المارتيريين” و”الديكاكونيين”، وتتألف الأروقة على الجانبين من زخارف جميلة، وتعلوها أعمدة وتيجان، ويحيط بها سور من الحجر الكلسي الكبير.
وللكنيسة أربعة أبواب، ثلاثة في الجنوب وواحد في الغرب، يتقدمه مدخل مسقوف ذو رواق يتسم بالفخامة ويحده من الجانبين برجان، كل منهما بطوابق ثلاثة، وفيهما درجان قد زالا حالياً وكانا يؤديان إلى سطح الرواق وسطحي الجناحين العلويين، وفي ذلك دلالة على العدد الكبير من المصلين.
ويضم بناء الكنيسة العديد من الشبابيك والأبواب من كل الجهات، وأجملها الواجهة الجنوبية التي تضم تسع نوافذ وثلاثة أبواب، يتوسطها باب غني بالزخارف، وقد نُقِرَ فوقه اسمي (ميخائيل وجبرائيل).
لذلك فإن فن العمارة الذي تجَسِّدُه هذه الكنيسة يظهر بشكل جلي المهارة في استعمال الفن الزخرفي اليوناني التقليدي.

مركز للعبادة
ويختلف الباحثون حول التاريخ الدقيق لبنائها، إلا أن الباحث الأميركي “هوارد كروسبي بتلر” أرجع تشييدها إلى نحو عام 480، بينما رجح الباحث الفرنسي “جورج تشالنكو” أنها تعود إلى أواخر القرن الخامس الميلادي، وهو ما يتوافق مع معظم الدراسات الأثرية المتخصصة.
ويشير “تشالينكو” في دراساته حول القرى الأثرية في شمال سوريا، إلى أن “قلب لوزة” لم تكن مجرد قرية صغيرة، بل مركز ديني مهم استقطب الحجاج والمؤمنين من المناطق المجاورة، وقد فسّر الباحثون ضخامة الكنيسة واتساع فضائها الداخلي ومكانتها العمرانية بكونها مركزاً للحج والعبادة خلال العصر البيزنطي، كما تضم القرية عدداً من المعاصر الصخرية والفنادق القديمة التي كانت مخصصة لاستقبال الزوار.
وترى الكاتبة البريطانية “ديانا ديريكان” أن عدداً من العناصر المعمارية التي اشتهرت بها الكنائس الأوروبية في العصور الوسطى، ومنها “كاتدرائية نوتردام” في باريس، يمكن تتبع جذورها إلى نماذج سورية أقدم، وتحديداً كنيسة “قلب لوزة” التي تمثل أحد أبرز نماذج تطور الواجهات البرجية والتكوينات المعمارية التي انتقلت لاحقاً إلى أوروبا، لذلك فإن الحريق الذي تعرضت له الكاتدرائية عام 2019 أعاد تسليط الضوء على أهمية كنيسة “قلب لوزة”.








