كانت لقلعة “جعبر” قيمة عسكرية كبرى في العصور الزنكية والأيوبية والمملوكية، وكانت واحدة من أهم القلاع وأمنعها، وتعد من أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في سوريا، وتقع على الضفة اليسرى لنهر “الفرات” غرب مدينة “الرقة”، وقد اكتسبت مكانتها الاستراتيجية عبر القرون بفضل إشرافها على أحد أهم معابر النهر.
وتتميز القلعة بأسوارها المنيعة وأبراجها الدفاعية المتعددة وطرازها المعماري الفريد الذي يعكس تطور فنون التحصين الإسلامية، وتواصل اليوم قلعة “جعبر” حضورها ضمن أهم الشواهد الحضارية في سوريا، مجسدةً عمق الإرث الثقافي والتاريخي لمنطقة “الفرات” ودورها في مسيرة الحضارة الإنساني.
وتبلغ مساحة القلعة حوالي 43 دونماً، وتتجسد منشآتها بسلسلة من المباني السكنية والمرافق العامة التي كانت مخفية العمران لكنها خالدة الأثر.
تصميم القلعة
تقع قلعة “جعبر” على هضبة كلسية بيضاوية الشكل، تشمخ على ارتفاعٍ بحوالي 50 متراً عن المناطق المحيطة بها، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً مميزاً، وإطلالة خلابة على بحيرة “الثورة” التي تم إنشاؤها في عام 1974، وتعدّ جزءاً من سلسلة حصون دفاعية مهمة، إلى جانب رحبة “مالك بن طوق”، ومسكنة “بالس”، وقلعة “نجم”، وقلعة “يوسف باشا” التي شكّلت درعاً دفاعية قوية ضد الغزاة من البيزنطيين والفرنجة والمغول.
ويصل ارتفاع قمتها إلى 347 متراً فوق سطح البحر، ولها شكل متطاول يبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب 320 متراً، ومن الشرق إلى الغرب 170 متراً، ويحيط بها سوران ضخمان أحدهما داخلي والآخر خارجي، ولا يفصل بينهما سوى بضعة أمتار تشكل ممراً بين السورين، ويضمان عدداً كبيراً من الأبراج الدفاعية تزيد على خمسة وثلاثين برجاً، بعضها مربع وآخر نصف مسدس ونصف مثمن وهناك نصف دائري.
وتقع بوابة القلعة في الجهة الغربية، وهي مبنية بالآجر مثل بقية بناء القلعة، وتفضي إلى ممر صغير يؤدي إلى باحة تنتهي إلى برج ضخم يسمى حالياً برج “عليا”، ثم ينعطف الزائر نحو اليسار ليشاهد نفقاً محفوراً في الصخر يؤدي إلى سطح القلعة مدخله مبني بالحجارة، وكان هذا النفق البالغ طوله نحو 50 متراً مكسواً بالآجر وقد زالَ معظم هذه الكسوة الآن إلا بقايا قليلة.
وأنشئ في وسط القلعة مسجد جامع لا تزال مئذنته شامخة في أعلى نقطة مطلة على كل ما يحيط بها، كما أنشئت مبانٍ في الزاوية الجنوبية الغربية غاية في الأهمية لعلها كانت بيوت أصحاب القلعة وأمرائها.
وجرت أعمال تنقيب أثرية في منطقة الجامع وما حولها، وفي المباني الجنوبية الغربية، كشفت عن أقسام الجامع وعن المباني الواقعة شماله، وتبين أن أحدها مكون من باحة في الوسط، يتوسطها صهريج ماء محفور في الصخر، وحولها غرف كثيرة ومبان وبئر ماء وأوان فخارية مزخرفة.
كما عثر على عدد من المدافن المنحوتة في الصخر في السفح الغربي للقلعة، معظمها يرجع إلى العصر البيزنطي، أهمها مدفن واسع يتألف من فناء مستطيل نحت به في الشمال والجنوب والشرق تسعة “إيوانات” يغطي كلاً منها قبو أسطواني الشكل، حيث توجد شارات صليب منحوتة في واجهة هذه “الإيوانات”، أو في داخلها.
أسباب التسمية
تنسب القلعة إلى “جعبر بن مالك القشيري”، كما ذكر العديد من المؤرخين مثل “ياقوت الحموي” في كتابه “معجم البلدان”، حيث ورد أنه كانت تسمى في السابق “الدوسرية” نسبةً إلى “دوسر” غلام “النعمان بن المنذر” ملك “الحيرة” قبل الإسلام، ثم سكنها رجل من “بني قشير” يُدعى “جعبر بن مالك”.
وقد استولى عليها السلطان “جلال الدين” ملك شاه بن أرسلان ثم نور الدين محمود زنكي، والأيوبيون، ومن بعدهم المماليك. وفي عام 1168، أعاد سيف الدين تنكز بناء وتوسيع القلعة بعد أن دمرها “هولاكو”.
قبر تاريخي
يعدّ قبر “سليمان شاه” من أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ قلعة “جعبر”، إذ يُقال إن “سليمان شاه”، جد “عثمان الأول” مؤسس الدولة العثمانية، غرق في نهر “الفرات” بالقرب من القلعة ودفن في مكان قريب منها.
وفي عهد السلطان “عبد الحميد الثاني”، تمت إعادة بناء المقبرة وتحسينها، لتصبح مزاراً ذا قيمة تاريخية ودينية، وبموجب معاهدة أنقرة لعام 1921، تم الاعتراف بالمنطقة كأرض تركية، وأُعطي الجنود الأتراك حق الحراسة على القبر، بعد قيام سوريا تحت الانتداب الفرنسي واستقلالها فيما بعد.
لكن في عام 1973، ومع ارتفاع منسوب المياه في بحيرة “الثورة”، تم نقل القبر إلى موقع جديد شمال القلعة، لتصبح القلعة نفسها أرضاً سوريّة بعد التغيير الجغرافي الذي أحدثه بناء السد.
تاريخ عريق
في عام 2014 سيطر تنظيم “داعش” على قلعة “جعبر”، ما ألقى بظلاميته على تاريخها العريق، حيث حوّل التنظيم القلعة إلى سجن مركزي، مستغلاً جدرانها العتيقة لأغراض عسكرية قاسية، كما حوّل أجزاء من داخلها إلى مواقع تدريب، وفرض قيوداً شديدة على الوصول إليها.
كما كان متحف القلعة يحتوي على العديد من القطع الأثرية الثمينة، ولكن عندما استولى عليها “داعش”، قام بنهبها وتدمير العديد من هذه القطع.
واليوم، بعد التحرير، ورغم التدمير والنهب اللذين تعرضت لهما القلعة، فإنها بقيت شامخة بتاريخها العريق وأسوارها المنيعة، لتستمر في إحياء ذاكرة التاريخ السوري وتقديم شواهد حيّة على عراقة هذه الأرض.











