لا تقتصر أهمية التعاون بين الحكومات وصندوق النقد الدولي على الحصول على التمويل، بل تمتد إلى تطوير السياسات الاقتصادية، وتحسين البيانات والإحصاءات، وتعزيز الشفافية ومصداقية القرارات المالية، وفي الحالة السورية تكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة مع استئناف التعاون الفني، وسط تساؤلات عن حدود هذه الخطوة وما يمكن أن تحققه للاقتصاد السوري، ومدى انعكاسها على ثقة المستثمرين والمؤسسات المانحة.
الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أكد لـ”الوطن” ضرورة التمييز بوضوح بين التعاون الفني وأي برنامج تمويلي، فما يقدمه الصندوق هنا هو خبرة واستشارات وتدريب، وليس قرضاً، وسوريا لم تطلب رسمياً حزمة إنقاذ، وأي طلب كهذا سيكون مشروطاً بتحليل للدين وربما إعادة هيكلته ومفاوضات مع الصندوق.
ويعني ذلك أن التعاون الفني الجاري لا يمثل بحد ذاته اتفاقاً على تقديم تمويل، ولا يضمن تدفق الأموال إلى الاقتصاد السوري، فهو يركز على تطوير القدرات الفنية وتحسين أدوات التحليل والتخطيط، في حين أن أي برنامج تمويلي محتمل يخضع لمسار مختلف يتطلب تقييماً للأوضاع المالية والاقتصادية ومفاوضات بشأن شروطه.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين الاستفادة من الخبرة الفنية للصندوق وبين الحصول على قرض أو حزمة دعم مالي، فلكل مسار متطلباته وإجراءاته، ولا يمكن اعتبار التقدم في أحدهما دليلاً تلقائياً على تحقق الآخر.
وأوضح عبد الكريم أن مشاورات المادة الرابعة هي المراجعة الدورية التي يجريها الصندوق لاقتصاد كل دولة عضو، وتنتهي بتقرير يقيّم سياساتها ويُناقَش في مجلسه التنفيذي وأهميتها لسوريا كبيرة، لأن آخر مشاورات مكتملة معها تعود إلى عام 2009، وقد ربط الصندوق استئنافها بتحسين الإحصاءات.
وتتيح هذه المشاورات إجراء تقييم اقتصادي شامل يستند إلى البيانات المتاحة، ويتناول السياسات الاقتصادية والمالية، والتحديات التي تواجه الاقتصاد، والمخاطر التي قد تؤثر في استقراره وتكمن أهميتها في توفير قراءة مؤسسية للاقتصاد السوري يمكن أن تساعد على تحديد مواطن الخلل وأولويات الإصلاح.
وأضاف عبد الكريم: استئناف هذه المشاورات سيمنح الاقتصاد السوري تقييماً دولياً مستقلاً تعتمد عليه المؤسسات المانحة والمستثمرون، لكنه ليس تمويلاً ولا ضماناً لتدفق الاستثمارات، بل قد يتضمن ملاحظات نقدية لا تتفق مع الرواية الرسمية.
وبذلك، فإن القيمة الأساسية لاستئناف المشاورات تتمثل في إتاحة تقييم مستقل للسياسات الاقتصادية السورية، وليس في ضمان الحصول على مساعدات مالية أو استثمارات مباشرة، كما أن الاستفادة من هذا التقييم ستظل مرتبطة بمدى التعامل مع نتائجه، وتحسين جودة البيانات، وتطوير السياسات الاقتصادية على أساسها.
الشفافية بوابة لاستعادة الثقة
يمثل تطوير البيانات والإحصاءات أحد المتطلبات الأساسية لتحسين التقييم الاقتصادي، إذ يصعب بناء سياسات دقيقة أو تقديم صورة موثوقة عن الاقتصاد في ظل نقص المعلومات أو عدم تحديثها بصورة منتظمة.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون الفني في دعم قدرات المؤسسات المعنية على جمع البيانات وتحليلها، وتطوير التقارير الدورية المتعلقة بالاقتصاد الكلي والمالية العامة، كما أن انتظام نشر المعلومات وإتاحتها بصورة واضحة وقابلة للتحقق يمكن أن يساعدا المؤسسات المانحة والمستثمرين على تقييم الأوضاع الاقتصادية بصورة أفضل، لكن تحسين البيانات وحده لا يكفي لبناء الثقة، إذ ينبغي أن يترافق مع سياسات اقتصادية واضحة، وإفصاح منتظم عن نتائج تنفيذها، وقدرة على معالجة الاختلالات التي تكشفها التقييمات الاقتصادية.
ماذا يعني التعاون للمواطن؟
وعلى مستوى المواطن، لن ينعكس هذا المشروع على الرواتب أو الأسعار بصورة مباشرة أو سريعة، وفق تحليل عبد الكريم، إذ إن أثره المحتمل غير مباشر ويحتاج إلى وقت، مضيفاً: يقلل احتمال اللجوء إلى طباعة النقود لتغطية عجز غير متوقع، وهو ما يحمي القدرة الشرائية ويساعد على انتظام تمويل الرواتب والخدمات العامة، لأن الإنفاق يُخطط على موارد مؤكدة، ويحمي الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية من التقلبات المفاجئة.
وتعتمد هذه النتائج المحتملة على نجاح الإصلاحات في تحسين التخطيط المالي، ورفع دقة التوقعات، وتعزيز القدرة على إدارة الموارد العامة، لذلك ينبغي عدم النظر إلى التعاون الفني باعتباره حلاً فورياً للمشكلات المعيشية، بل باعتباره أحد المسارات التي قد تسهم، إذا استُكملت بإصلاحات عملية، في تحسين إدارة الاقتصاد على المدى المتوسط.
في المحصلة، يفتح التعاون الفني مع صندوق النقد الدولي المجال أمام تطوير أدوات التحليل الاقتصادي وتحسين البيانات وتعزيز الشفافية، بينما تمثل مشاورات المادة الرابعة فرصة لتوفير تقييم دولي مستقل للاقتصاد السوري.
كما أن تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المانحة يتطلب أكثر من التعاون مع مؤسسة دولية، فهو يحتاج إلى نتائج قابلة للقياس، وبيانات موثوقة، وسياسات واضحة يمكن تقييمها ومتابعة تنفيذها، ومن ثم فإن التعاون الفني يمثل فرصة لتحسين البيئة الاقتصادية، لكنه لا يشكل وحده ضمانة للتمويل أو تدفق الاستثمارات.









