من باريس، حيث تشارك سوريا مجدداً في اجتماعات مجموعة العمل المالي الدولية بعد غياب لأكثر من 15 عاماً، حمل حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان رسالة تتجاوز الالتزام بالإجراءات الرقابية إلى إعلان توجه نحو إعادة بناء النظام المالي والمصرفي على أسس أكثر شفافية وموثوقية، واستعادة الثقة والمصداقية أمام المؤسسات المالية الدولية.
وخلال مشاركته في الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي (FATF)، أكد رسلان التزام سوريا ببناء نظام مالي أقوى وأكثر شفافية ومرونة، مشيراً إلى عزم هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تحويل الإصلاحات إلى خطوات عملية وفاعلة، وتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسهم في الارتقاء بالقطاع المصرفي السوري.
وشدد على أن هذه الجهود لا تقتصر على تلبية المتطلبات الدولية، بل تستهدف إعادة بناء الثقة واستعادة المصداقية وتأمين مستقبل مالي سليم لسوريا.
من الالتزام إلى استعادة العلاقات المصرفية
يحمل طرح هذه الملفات أمام مجموعة العمل المالي أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، التي تسعى إلى تطوير منظومتها الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والاستعداد لاستحقاقات التقييم الدولي، بما يساعدها على معالجة أوجه القصور وتعزيز موقعها في النظام المالي العالمي.وفق ما أكده الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى” للوطن ” موضحاً أن الامتثال لمعايير المجموعة لا يرتبط فقط بوجود تشريعات وإجراءات رقابية، بل بمدى فاعلية تطبيقها وقدرة المؤسسات المعنية على إثبات نتائجها عملياً. وهذا يشمل أنظمة الرقابة المصرفية، والتحقق من مصادر الأموال، ومراقبة التحويلات، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وتطوير التنسيق بين الجهات الرقابية والمالية.
اختبار الثقة يتجاوز القوانين
وأشار إلى أن أهمية هذه الخطوة تكمن في ارتباط إصلاح منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بمستقبل العلاقات المصرفية السورية الخارجية. فاستعادة التعامل مع المصارف المراسلة وتسهيل التحويلات الدولية وتمويل التجارة تحتاج إلى مستوى مرتفع من الثقة والامتثال، لا يتحقق بمجرد تعديل القوانين، بل بإثبات قدرة المؤسسات المصرفية على تطبيقها بصورة منتظمة وفاعلة.
كما أن استعادة الثقة لا تقتصر على المؤسسات المالية الدولية، بل تشمل أيضاً المودعين والشركات والمتعاملين داخل سوريا. فالمصارف تحتاج إلى استعادة دورها في جذب المدخرات وتسهيل المدفوعات وتوفير التمويل للنشاط الاقتصادي، وهي وظائف لا يمكن أن تستعيدها بصورة مستدامة من دون تطوير الخدمات وتعزيز الشفافية والحوكمة وتحسين كفاءة الأداء.
مشاركة تفتح باباً أمام استحقاقات أكبر
وأفاد المصطفى أن مشاركة سوريا في اجتماع باريس تكتسب أهمية كبيرة لكونها تتيح عرض الإصلاحات والتواصل المباشر مع الجهات المعنية ومناقشة التحديات المرتبطة بتطوير المنظومة الوطنية.
لكن الطريق نحو استعادة الثقة المصرفية يبقى مرتبطاً بما ستنجزه المؤسسات المعنية على أرض الواقع، ومدى قدرتها على تحويل التعهدات إلى إجراءات قابلة للقياس، وإثبات فاعلية الرقابة والامتثال واستدامة النتائج.
وبذلك، لا يتمثل التحدي أمام القطاع المصرفي السوري في إعلان الالتزام بالمعايير الدولية فحسب، بل في بناء سجل عملي من الشفافية والموثوقية يسمح له باستعادة علاقاته المالية الخارجية، والقيام بدور أكبر في دعم الاقتصاد السوري.









