تزامناً مع الذكرى السادسة بعد المئة لمعركة “ميسلون” التي كرّست قيم التضحية والدفاع عن السيادة، وأسهمت في ترسيخ الوعي الوطني لدى السوريين، احتفى المركز الثقافي في أبو رمانة بالتعاون مع رابطة “رجال الثورة السورية”، بالمناسبة من خلال ندوة شارك فيها الباحثان محمد محي الدين غنيم ومحمد أبو خالد عمر، استعرضت أبعاد المعركة ودروسها الوطنية، وسط حضور تفاعل مع محطات هذه الملحمة التاريخية.
بداية، أوضح غنيم أن معركة “ميسلون” تميزت عن غيرها بعبقرية اختيار الموقع، إذ احتضنها خانق ضيق بين جبلين جعلها موقعاً دفاعياً مثالياً، مع تقسيم دقيق للجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، في تنظيم عسكري بات أنموذجاً احتذت به المعارك اللاحقة. وأشار إلى الطابع القومي للجيش المشارك، الذي ضم مقاتلين من الحجاز والأردن وبلاد الشام، إلى جانب حضور لافت للمرأة، كان في مقدمته نازك العابد التي حملت الماء والطعام والعتاد للجنود.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، أكد غنيم أن القائد يوسف العظمة أدى رسالته بصدق وإخلاص، وأن “ميسلون” أنجبت أجيالاً تعلّمت العزة والكرامة والدفاع عن الأرض، مضيفاً إن من عاد من “ميسلون” أشعل الأرض تحت أقدام المستعمر، ويوسف العظمة كان أول من دق باب الاحتلال، وما زالت فكرة المقاومة حية فينا، ونحن نحيي الذكرى كل عام آملين أن نبلغ ما بلغه الأوائل.
من جانبه، قدّم الباحث أبو خالد عمر مقابلة تخيلية جمعت بين إبراهيم هنانو ويوسف العظمة، مستعرضاً خلفية هنانو كأحد كبار الإقطاعيين في إدلب، الذي يمتلك أربع قرى بكامل مساحاتها وأهلها وعشرين ألف شجرة زيتون، وكان من أوائل من تصدى للفرنسيين فور دخولهم من إسكندرونة عام 1919، متخذاً قرار المواجهة بدافع وطني خالص.
ووصف عمر المعركة بالملحمة، لافتاً إلى أن يوسف العظمة، ابن الإدارة الحربية، ترقّى في مراتبها حتى أصبح عقيد ركن، ومثّل سوريا في القاهرة وبيروت، وعاد إلى دمشق مستشاراً للأمير فيصل، طامحاً إلى بناء جيش حديث على غرار ما تعلمه في دورة الأركان ببرلين، ليتولى منصب رئيس الأركان، ثم يُختار وزيراً للحربية في حكومة هنانو.
وشدد عمر على أن العظمة قاد المعركة من قلب الميدان، لا من غرفة عمليات بعيدة، ليكون قائداً للشعب وما تبقى من الجيش ممن آمنوا بمواجهة المستعمر.
وفي تصريح لـ”الوطن”، أوضح عمر أن هذه الندوة ليست الأولى عن العظمة، إذ سبقتها ندوة في الذكرى المئوية لها في 2020، لكن الجديد هذه المرة هو التصدي لحملات التشكيك التي طالت يوسف العظمة، وصلت إلى اتهامه بالخيانة والعمالة من قبل أستاذ جامعي في جامعة دمشق، وهو ما دفع الباحثين لإقامة هذه الندوة.
وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال تنشر معلومات خاطئة عن العظمة وعائلته، ما استفززهما للبحث والتدقيق لدحض تلك الروايات.
ووجّه عمر دعوة إلى الباحثين والمهتمين قائلاً: “أدعو الجميع إلى عدم الاعتماد على الأخبار المتداولة شفوياً، فالتاريخ الحقيقي هو تاريخ الوثائق، والثقافة السمعية غالباً ما تخون الخبر، وقد التقيت كثيرين يدّعون الثقافة والتاريخ لكنهم يتحيزون للهوامش وينثرون الغبار على الشخصيات العظيمة”.
واختتم عمر قائلاً: “ميسلون منارة وجاذبة، وإن تشابهت البقاع الجغرافية، فهي تبقى مثالاً للكرامة العربية والنخوة والعزة، ومن خرج إليها رأى نور البطولة واستشعر نخوة عربية كتبها يوسف العظمة بدمه”.






