يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن بيانات النصف الأول من عام 2026 لوزارة المالية تظهر أن هيكل الإيرادات ما يزال هشاً وغير متوازن، وأن التنفيذ الفعلي جاء أقل بكثير من التوقعات التي بُنيت عليها الموازنة العامة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المالية العامة على تحقيق التوازن في ظل الفجوة القائمة بين الإيرادات والنفقات.
ويشير قوشجي إلى أن إجمالي الإيرادات الفعلية خلال النصف الأول من عام 2026 بلغ نحو 2.695 مليار دولار، مقابل إيرادات سنوية مخططة تبلغ 8.716 مليارات دولار، أي إن التنفيذ الفعلي لم يتجاوز 31 بالمئة من إجمالي الإيرادات السنوية، وهو مستوى منخفض قياساً بمنتصف العام.
وعلى مستوى مصادر الإيرادات، حققت الرسوم الجمركية 57 بالمئة من المخصص السنوي، وهو ما يعكس، حسب قوشجي، تحسناً في ضبط المنافذ الحدودية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى اعتماد مفرط على إيرادات المعابر بدلاً من الإنتاج المحلي.
أما عوائد الاستثمارات الحكومية فقد حققت 40.5 بالمئة من المخصص السنوي، وهي نسبة تمثل مستوى متوسطاً، لكنها تكشف، وفق قوشجي، ضعفاً في كفاءة الأصول الحكومية وعدم قدرتها على توليد تدفقات نقدية مستقرة.
وبالنسبة لإيرادات النفط والغاز، فقد حققت 25 بالمئة فقط من المخصص السنوي، رغم بدء التوريد في أيار، وهو ما يعني، حسب تقديره، أن التوقعات النفطية كانت متفائلة، وأن البنية التشغيلية ما تزال غير قادرة على رفع الإنتاج أو التصدير بسرعة.
وفي المقابل، حققت الضرائب والرسوم 10 بالمئة فقط من المخصص السنوي، وهي نسبة شديدة الانخفاض تكشف، وفق قوشجي، خللاً هيكلياً في النظام الضريبي، وضعف الامتثال، واتساع التهرب، وضيق القاعدة الضريبية، أما إيرادات المشغل الخلوي الثاني فلم تدخل بعد، على أن تبدأ في النصف الثاني، وبالتالي لا يمكن التعويل عليها لسد فجوة العجز إلا بشكل جزئي ومؤقت.
ويخلص قوشجي إلى أن الإيرادات الفعلية في النصف الأول لا تعكس قدرة مالية كافية لتحقيق التوازن، بل تكشف اعتماداً على مصادر غير مستقرة، مثل الجمارك والنفط ورسوم العبور، مقابل ضعف أهم مصدر مستدام، وهو الضرائب.
العجز.. أكثر من نصفه
وبالنسبة للعجز المالي وأدوات تمويله، يشير قوشجي إلى العجز الفعلي خلال النصف الأول بنحو مليار دولار، وهو ما يمثل 56 بالمئة من العجز السنوي المقدر، ويعني ذلك أن أكثر من نصف العجز ظهر خلال ستة أشهر فقط، معتبراً أن ذلك مؤشر على ضعف التقديرات الأولية للموازنة، وعدم قدرة الإيرادات على مواكبة الالتزامات، وارتفاع الإنفاق الجاري، وغياب إصلاحات ضريبية وجمركية فعالة.
ويرى أن تمويل العجز عبر أدوات استثمارية قصيرة الأجل يحمل مخاطر واضحة، تتمثل في الضغط على السيولة الحكومية، وارتفاع تكلفة التمويل، ومزاحمة القطاع الخاص على الائتمان، وزيادة هشاشة المالية العامة، فضلاً عن تأثير سلبي محتمل على سعر الصرف.
رهان غير كافٍ
وفيما يتعلق بقدرة إيرادات النصف الثاني على سد الفجوة المالية، يرى قوشجي أنه حتى مع دخول إيرادات النفط والغاز ورسوم عبور الوقود ومتحصلات المشغل الخلوي الثاني، فإن الفجوة المالية لن تُسد من دون إصلاحات هيكلية، خصوصاً أن الضرائب لم تحقق سوى 10 بالمئة من المخصص السنوي، والنفط 25 بالمئة فقط، فيما لا تزال العوائد الاستثمارية ضعيفة، والإنفاق الجاري مرتفعاً جداً.
وبالتالي، فإن الرهان على النصف الثاني، حسب قوشجي، يظل غير كافٍ ما لم يترافق مع إصلاح ضريبي شامل، وإصلاح جمركي يحد من التهرب، وإعادة هيكلة للإنفاق، ورفع كفاءة الاستثمار العام.
الإنفاق الجاري يضغط على الاستثمار
وفي قراءة هيكل الإنفاق خلال النصف الأول، يشير قوشجي إلى أن الإنفاق الجاري، بما يشمله من رواتب وأجور وتعويضات ونفقات إدارية، يستحوذ على 64 بالمئة من إجمالي الإنفاق، ما يعني أن ثلثي الإنفاق يذهب إلى الالتزامات الجارية، وهو ما يحد من قدرة الدولة على الاستثمار وخلق فرص العمل ودعم القطاعات الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي ومعالجة التضخم.
في المقابل، بلغت حصة الإنفاق الاستثماري 28 بالمئة، وهي نسبة يعتبرها قوشجي غير كافية لاقتصاد يحتاج إلى إعادة إعمار وتطوير للبنية التحتية ودعم الصناعة والزراعة وتحفيز القطاع الخاص، أما الدعم والضمان الاجتماعي فبلغت حصته 9 بالمئة، وهي نسبة منخفضة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، بما يعكس، حسب قوشجي، ضعفاً في شبكة الحماية الاجتماعية.
ويرى أن هيكل الإنفاق الحالي لا يعكس أولويات تنموية، بل يعكس اقتصاداً يستهلك أكثر مما يستثمر، ويغطي الالتزامات الجارية على حساب المستقبل.
الدولار والليرة.. شفافية أم فجوة محاسبية؟
وفي ما يتعلق باعتماد الدولار في التقرير المالي بدلاً من الليرة السورية، يرى قوشجي أن لهذا الخيار دلالات مهمة فمن إيجابيات استخدام الدولار أنه يعزز الشفافية، ويحمي الأرقام من تقلبات سعر الصرف، ويسهل المقارنات الدولية.
لكن في المقابل، يرى أن هذا الأسلوب قد يخفي التحديات الحقيقية للقوة الشرائية المحلية، ويقلل من قدرة الليرة على لعب دورها المحاسبي، ويجعل تقييم الأداء الحقيقي للإنفاق أكثر صعوبة، وقد يخلق فجوة بين الموازنة المحاسبية والواقع الاقتصادي.
ويؤكد قوشجي أن ذلك لا يعني وجود دولرة رسمية، وإنما دولرة محاسبية تهدف إلى حماية الموازنة من تقلبات سعر الصرف، وبرأيه، فإن الأفضل اقتصادياً هو عرض الأرقام بالليرة والدولار معاً، بما يوضح القيمة الحقيقية للإنفاق، وأثر التضخم، وأثر تغير سعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل التزاماتها المحلية.
تحسن رقمي دون تحول هيكلي..
وفي تقييمه الاقتصادي الشامل للنصف الأول من موازنة 2026، يرى قوشجي أن الإيرادات لا تزال أقل بكثير من التقديرات السنوية، وأن العجز ظهر مبكراً وتم تمويله بأدوات قصيرة الأجل، وهو ما يشكل مؤشراً على وجود ضغط مالي، على حين يهيمن الإنفاق الجاري على الموازنة بما يحد من قدرة الدولة على الاستثمار والنمو.
كما يرى أن الإيرادات المتوقعة في النصف الثاني لن تكون كافية لسد الفجوة من دون إصلاحات هيكلية، وأن عرض الأرقام بالدولار يعزز الشفافية لكنه يخفي في الوقت نفسه التحديات الحقيقية لليرة.
ويخلص قوشجي إلى أن النصف الأول من موازنة 2026 يعكس تحسناً رقمياً محدوداً، لكنه لا يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد السوري، إذ لا تزال الإيرادات غير مستقرة، والعجز مرتفعاً، والإنفاق الاستثماري غير كافٍ لإطلاق دورة نمو جديدة.
ويرى أن تحويل الموازنة إلى أداة لإعادة بناء الاقتصاد يتطلب توجيه السياسة المالية نحو توسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب، وإصلاح الجمارك، ورفع كفاءة الإنفاق، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الاستثمار العام والخاص.






