Opens in a new tab
المزيد

‫آخر الأخبار:‬

أزمة الليرة من الداخل.. قيود مصرفية وموارد نقد أجنبي شحيحة

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

تواجه الليرة السورية ضغوطاً هيكلية متواصلة، تتجاوز تأثيرات الكتلة النقدية المتداولة إلى اختلالات الإنتاج والسياسات النقدية والمالية، وفق ما يراه الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، الذي يربط استمرار تراجع سعر الصرف بضعف الثقة بالقطاع المصرفي، واتساع الاقتصاد الموازي، وانكماش النشاط الإنتاجي.

ويرى عياش في تصريح لـ “الوطن” أن تقييد السيولة والسحوبات النقدية لم ينجح في الحد من تدهور سعر الصرف، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الإجراءات الإدارية إلى حلول بنيوية تستهدف تحفيز الإنتاج وتعزيز موارد النقد الأجنبي.

قيود السحوبات تضعف الثقة المصرفية

يقول عياش إن سياسة مصرف سورية المركزي في تقييد السيولة اليومية والسحوبات النقدية تستند إلى فرضية «امتصاص الفائض النقدي» لتقليص حجم الليرات المتاحة للمضاربة، إلا أن هذا الإجراء الإداري أدى إلى مفعول عكسي.

ويوضح أن التشدد في السحوبات أسهم في ضرب «الثقة بالمواطنة المصرفية»، ما دفع الفعاليات الاقتصادية والأفراد إلى تجنب إيداع أموالهم في القطاع المصرفي والاحتفاظ بها نقداً خارج الدورة الرسمية.

ويضيف إن نتيجة ذلك تمثلت في تراجع سرعة دوران النقود وانكماش النشاط التجاري، بينما تحولت الأموال المكبوتة والمقيدة في المصارف، بمجرد سحبها أو تحريكها، إلى ملاذات آمنة، وعلى رأسها العملات الأجنبية والمعادن الثمينة.

وحسب عياش، يفسر هذا السلوك عدم نجاح أدوات تقييد السيولة في كبح التضخم أو وقف تدهور سعر الصرف، لأن المشكلة الأساسية تكمن في تآكل القوة الشرائية وغياب القنوات الاستثمارية الجاذبة، وليس في مجرد حجم الكتلة النقدية المتداولة.

الاقتصاد الموازي يستنزف القطع الأجنبي

وفيما يتعلق بتمويل التجارة الخارجية، يشير عياش إلى أن اتساع الاقتصاد الموازي وتفشي تمويل المستوردات عبر قنوات غير رسمية، مثل شركات الصرافة غير المرخصة أو الأسواق السوداء المجاورة، يشكلان المحرك الأساسي لاستنزاف القطع الأجنبي.

ويقول إن تراجع موارد النقد الأجنبي التقليدية، بما فيها الصادرات والتحويلات الخارجية والاستثمار الأجنبي، جعل تغطية العجز التجاري تعتمد بدرجة كبيرة على الحوالات الخارجية ومبيعات القطاع الخاص في السوق الموازية.

ويضيف إن حجم تمويل التجارة عبر الأسواق الموازية يتجاوز في كثير من الأحيان حجم التمويل الرسمي، ما يخلق طلباً مستمراً على الدولار في السوق السوداء.

ويرى أن هذا الضغط يتجاوز قدرة الاحتياطات المحدودة المتاحة لدى المصرف المركزي على التدخل، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الواقعي، ويدفع قيمة الليرة إلى مزيد من التراجع.

القيود الضريبية تدفع الأموال بعيداً عن الإنتاج

ويحذر عياش من أن الجمع بين القيود الصرفية الصارمة والتشدد الضريبي والجمركي غير المتناغم مع الواقع الاقتصادي عمّق انكماش النشاط الإنتاجي الزراعي والصناعي.

ويوضح أنه بدلاً من توجيه الرساميل نحو المعامل والحقول التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية وصعوبة التصدير، فضّل أصحاب الأموال تسييل أصولهم والانسحاب من السوق الإنتاجية.

ويشير إلى أن الاستثمار في الصناعة والزراعة بات ينطوي على مخاطر تشغيلية وجبائية مرتفعة وعوائد بطيئة، ما دفع السيولة الهاربة إلى المضاربة السريعة بالعملات والمشتقات المالية أو العقارات، باعتبارها أدوات أسهل للتحوط وحفظ القيمة.

ويصف عياش هذا التحول من الاقتصاد الإنتاجي إلى الاقتصاد الريعي والمضاربي بأنه أدى إلى إضعاف فرص خلق القيمة المضافة محلياً، وحرمان الخزينة من موارد حقيقية، ومضاعفة الطلب على العملة الصعبة.

أربعة مسارات لاستعادة الاستقرار النقدي

وفيما يتعلق بالحلول، يرى عياش أن استعادة الاستقرار النقدي تتطلب حزمة إجراءات متكاملة تتجاوز الحلول الأمنية والإدارية، وتبدأ بتفكيك قيود السحوبات وحرية الحركة المالية، بهدف إعادة بناء الثقة بالمنظومة المصرفية وجذب الكتلة النقدية المكتنزة في المنازل إلى القنوات الرسمية.

كما يدعو إلى إصلاح المنظومة الضريبية والانتقال من الجباية الكمية المرهقة إلى التحفيز الإنتاجي، من خلال منح إعفاءات ضريبية حقيقية للمشاريع الزراعية والصناعية الصغيرة والمتوسطة.

ويشمل المسار الثالث، وفق عياش، توحيد أسعار الصرف بصورة تدريجية وواقعية، لإلغاء التشوهات السعرية التي يستفيد منها المضاربون وتثبيط قنوات التهريب المالي.

أما المسار الرابع، فيتمثل في تأسيس صندوق لدعم الصادرات النفطية والزراعية البديلة، بما يضمن تدفقات مستدامة من القطع الأجنبي ويسهل نفاذ المنتجات المحلية إلى الأسواق الإقليمية.

السياسة النقدية وحدها لا تكفي

ويؤكد عياش أن مصرف سوريا المركزي لا يستطيع، عبر أدواته النقدية والإدارية المنفردة، ضبط سعر الصرف في ظل الشلل الحالي لقطاع الإنتاج وشح الصادرات، موضحاً أن السياسة النقدية لا تعمل في فراغ، بل تعكس قوة الاقتصاد الحقيقي أو ضعفه.

ولإنهاء إدارة الأزمة والانتقال إلى معالجة أسبابها البنيوية، يرى أن الأمر يتطلب تحولاً استراتيجياً في عقيدة القيادة الاقتصادية، يركز على «تحفيز العرض» بدلاً من «خنق الطلب».

ويحدد عياش متطلبات هذا التحول بإطلاق مشروع وطني لإعادة هيكلة قطاعات الطاقة، وتأمين حوامل الطاقة للصناعيين بأسعار تنافسية وفق أولويات محددة ومرهونة بالنتائج، إلى جانب جذب الاستثمارات المغتربة عبر ضمانات قانونية صارمة تحمي الملكية وحرية حركة الأرباح.

كما يشدد على أهمية تحفيز الإنتاج الزراعي باعتباره صمام أمان غذائياً وتصديرياً، يمكن أن يسهم في إعادة التوازن الحقيقي لميزان المدفوعات السوري.