استحضرت الفنانة السورية نعمى عمران أصوات الحضارات التي عبرت الأرض السورية، ومزجتها بنداءات الحرية والألم والأمل، في عمل موسيقي حمل ذاكرة السوريين من أقدم النوتات التاريخية إلى وجع الثورة، ضمن حفل فني قدمته برفقة كورال “غاردينيا”، وشكل رحلة سمعية وبصرية عبر التاريخ السوري بمختلف تحولاته.
الحفل، الذي جرى تسجيله في منزل “عمران” بدمشق جاء بعد عودتها إلى سوريا عقب أربعة عشر عاماً من المنفى، وضم مختارات من “الريبورتوار” الذي قدمته على مسارح عالمية منذ عام 2005، من تأليفها وموسيقاها وغنائها وتوزيعها الموسيقي بالتعاون مع “غاردينيا”.
وعلى مدى 51 دقيقة، أعادت عمران تقديم الحكاية السورية بصوت أوبرالي حمل طبقات متعددة من الذاكرة الثقافية والروحية، في حفل بثته منصات مؤسسة “اتجاهات- ثقافة مستقلة”، وأهدته الفنانة إلى شهداء ومعتقلي الثورة السورية.

وافتتحت الحفل بذكر أسماء المغيبين والمغيبات في سوريا، قبل أن تنتقل إلى “النوتة الأوغاريتية- صلاة الخصوبة والسفر والنجاة”، التي تعود إلى عام 1400 قبل الميلاد، في استحضار للإرث الموسيقي السوري القديم.
كما حضرت الحضارتان الآرامية والسريانية عبر ترنيمة “آخ تا غوره” الآرامية من القرن الخامس الميلادي، وصلاة “تاح لي مور” باللغة السريانية، إلى جانب أغنية “سوريا” التي مزجت البعد الإنساني بالهوية الوطنية.
لم يقتصر الحفل على التراث القديم، بل امتد إلى الموسيقا العربية والصوفية، حيث غنت عمران “حار أرباب الهوى” للمتصوف محيي الدين ابن عربي، كما قدّمت قصائد لأبي العلاء المعري منها “أيا دارها” بموسيقا مجدي العقيلي، و”خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد”.
وفي لحظة مؤثرة من الحفل، استحضرت عمران آلام السوريين وذاكرة الأمهات الثكالى من خلال “وتنام بهيلا الله”، وهي تهويدة مهداة للشهداء، مستعيدةً عبرها أصوات الأمهات السوريات اللواتي حملن الحزن والأمل معاً طوال سنوات الحرب.
وشارك في الغناء كل من حلا الحلبي وجودي سليمان وجيدا مبيض وغنوة صليبي وكارلا زيات وسلام بو حمدان وسلمى نصر وصبا خيربك.
وأوضحت مؤسسة “اتجاهات- ثقافة مستقلة” أن الحفل يمثل رحلة صوتية تمتد من الإرث الأوغاريتي والآرامي والسرياني إلى الموسيقا العربية الكلاسيكية والمعاصرة، في محاولة لاستعادة طبقات الذاكرة السورية عبر الموسيقا، وخلق مساحة تدعو إلى السلام والحرية والجمال رغم الألم.
وبينت المؤسسة أن الحفل يأتي ضمن برنامج “ليالي دروب.. موسيقا من سوريا”، أحد مكونات برنامج “دروب” المعني بتعزيز الموارد الثقافية والتراثية اللامادية السورية، والذي أطلق عام 2021 لدعم مشاريع التراث والثقافة السورية.
ويشكّل هذا العمل أولى محطات البرمجة الفنية الخاصة بالذكرى الخامسة عشرة لتأسيس مؤسسة “اتجاهات”، بدعم من صندوق حماية التراث التابع للمجلس الثقافي البريطاني.
وتُعرف نعمى عمران بمواقفها الداعمة للثورة السورية، حيث كرّست جانباً من أعمالها لقضايا المنفى والذاكرة والمعتقلين والمغيبين قسراً، واستحضرت في مشاريعها الفنية أصوات الضحايا وآلام السوريين، مع حفاظها على حضور واضح للهوية الثقافية السورية والتراث الموسيقي التاريخي.
الوطن – أسرة التحرير








