شكل قرار رئيس الإدارة الأميركية دونالد ترامب بشطب اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب وما تلاه من إخطار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للكونغرس بنية الرئيس إلغاء التصنيف رسمياً بعد انقضاء فترة الإخطار القانونية البالغة 45 يوماً، نقلة نوعية في مسار التعافي الاقتصادي، كونه يفتح الباب واسعاً أمام إعادة الإدماج.
لكنه بحسب الأكاديمي زياد عربش ليس نهاية المطاف؛ فالأشهر الستة المقبلة ستكون المعيار الحقيقي لاختبار قدرة الأطراف كافة على ترجمة الزخم السياسي إلى واقع تنموي، حيث تقاس الجدية بمدى تجاوز الفجوة التنفيذية وبناء الثقة التشغيلية المستدامة.
ويمثل القرار الأميركي البدء بإجراءات إلغاء التصنيف نقطة تحول تاريخية في مسار الدولة السورية، ويجسد نجاح النهج الذي اعتمدته القيادة السورية الجديدة في الانفتاح والحوار والدبلوماسية الفاعلة، بحكم أن هذا التصنيف تم منذ العام 1979 بسبب سياسات النظام البائد ولم يعد يعكس واقع سوريا الجديدة اليوم ولا دورها الإقليمي والدولي.
كما يؤكد إلغاء التصنيف أن الاستقرار الذي تنجزه سوريا الجديدة داخليا، ودورها في تعزيز أمن المنطقة ومكافحة الإرهاب، يحظيان باعتراف دولي متزايد، بما يفتح آفاقا أوسع للتعاون بما يخدم مصالح الشعب السوري ويسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
يوضح عربش في تصريح لـ”الوطن”، أن القرار يختلف جوهرياً عن التمديدات المؤقتة للعقوبات (التي كانت تُجدد لستة أشهر) والتي كانت تغذّي حالة الغموض الإجرائي، غير أن زوال الحاجز القانوني الأكبر لا يعني اندماجاً فورياً، بل يبرز تحدياً تنفيذياً يتمثل في الفجوة بين وتيرة القرار السياسي واستعداد المصارف الدولية والجهات المحلية، ما يستدعي إعادة معايرة المخاطر في قطاعات التمويل والاستثمار والتقانة.
وعلى الرغم من أن إلغاء التصنيف يُعد تتويجاً لمسار تخفيف العقوبات منذ 2025، ويفتح آفاقاً لإعادة البناء وجذب التمويل الخارجي، إلا أن تجربة الإعفاءات المؤقتة السابقة أثبتت عدم جدواها عملياً، وفق عربش الذي يلفت الى أن تحويل مبلغ بسيط كان يستغرق أسابيع بسبب تعقيدات المصارف الوسيطة، وشروط الامتثال المشددة، واستمرار فرض عقوبات فردية على كيانات وشخصيات، ما يبقي حالة الترقب سيدة الموقف ويعوق الانسياب المالي.
الاستثمار بين الزخم السياسي والجدوى التشغيلية
ويقول عربش: إن القرار يزيل عقبة السمعة أمام مؤسسات التمويل الدولية، لكن التعهدات الخليجية والأميركية (في قطاعات الطاقة والبنى التحتية) تصطدم بكون سوريا لا تزال “سوق إعادة فتح مبكرة”، فضعف الحوكمة، وغياب آليات تحكيم دولية واضحة، وعدم كفاية القدرات المؤسسية لاستيعاب استثمارات ضخمة (في ظل تقديرات احتياج تتجاوز 200 مليار دولار) تجعل الصناديق السيادية تميل إلى التريث، بينما يرجّح المستثمرون استراتيجية الدخول عبر شراكات محلية بموجب مراسيم التملك الأجنبي الحديثة، مع تركيز مبدئي على مشاريع سريعة العائد كالإسكان والطاقة المتجددة قبل الانخراط في مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل.
المصارف وأزمة الثقة التشغيلية
ورغم الاختراق القانوني، لا يزال القطاع المصرفي يعاني “مسألة الثقة”؛ فضعف كفاية رأس المال المحلي وعدم تطابق أنظمة ومعايير مكافحة التمويل سيبقيان سياسات “التحوط المشدد” من قبل المصارف المراسلة الكبرى قائمة لفترة تمتد لأشهر، وفق عربش، الذي يرى أن المصارف العربية والتي سبق لها التعامل مع السوق السورية، ستكون هي الرافعة الأقرب لإعادة بناء خطوط المراسلة، ربما عبر الاستحواذ على حصص في كيانات مصرفية محلية لتذليل العقبات الإجرائية.
التقانة والتحول الرقمي كنافذة للقفزة النوعية
ويزيل القرار الحظر غير المعلن عن وصول الشركات السورية إلى البرمجيات السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي، ما يسرّع من وتيرة التحول الرقمي في قطاعات الصحة والتعليم، غير أن استمرار قوائم العقوبات الفردية يستلزم حسب عربش تدقيقاً صارماً في اختيار الشركاء المحليين لتجنب أي تشابك مع كيانات مدرجة، رغم زوال القيود السيادية العامة.
ومن وجهة نظر الأكاديمي عربش، يبقى سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية المعيار الأهم على المدى المنظور، حيث استمر التحسن النسبي في قيمة الليرة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق الاثنين والثلاثاء الماضيين، ليصبح سعرها بحدود ١٣٠٠٠ ليرة بعدما تجاوزت منذ اسبوعين حاجز ١٤٦٠٠ ليرة للدولار، وبالتالي إذا استقر سعر الصرف أو انخفض فهذا يعني عودة الثقة الدولية بالاستثمار في السوق السورية.
الوطن – أسرة التحرير






