المزيد

‫آخر الأخبار:‬

إيجارات المحال في حلب من 5 آلاف إلى أكثر من 100 ألف دولار

‫شارك على:‬
20

تواجه الأسواق التجارية في حلب ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع أجور المحال وتسجيل حالات إغلاق في عدد من الأنشطة التجارية وذلك بالتزامن مع عودة ملايين السوريين وارتفاع الطلب على العقارات التجارية في المدينة التي بقيت معظم أسواقها ومحالها على حالها من دون توسع يتناسب مع حجم الطلب الجديد.

المشكلة في المعروض

ويبدو ارتفاع الإيجارات التجارية في حلب نتيجة مباشرة للفجوة المتزايدة بين العرض والطلب فعودة السكان وتنشيط الحركة الاقتصادية رفعت الطلب على المحال والمواقع التجارية في حين بقي المعروض محدوداً الأمر الذي دفع القيم الإيجارية إلى مستويات مرتفعة وبفوارق كبيرة بين منطقة وأخرى.

وأوضح عضو غرفة تجارة حلب سابقاً أيمن الباشا لـ الوطن أن ظاهرة ارتفاع الإيجارات موجودة فعلاً لكنها تأتي ضمن السياق الطبيعي لحركة السوق، لافتاً إلى أن ملايين السوريين عادوا إلى البلاد خلال الفترة الماضية في وقت بقيت فيه معظم الأسواق والمحال التجارية على حالها من دون توسعة تتناسب مع الزيادة في الطلب.

وبين الباشا أن أجور المحال التجارية في بعض الأسواق الشعبية في حلب تتراوح بين 5 و10 آلاف دولار سنوياً بينما يمكن أن تتجاوز 100 ألف دولار سنويا في بعض الأسواق والمواقع التجارية ذات النشاط المرتفع.

وأوضح أن الفوارق الكبيرة في الإيجارات ترتبط بالموقع وحجم الحركة التجارية والقدرة الشرائية للمنطقة وطبيعة النشاط لافتاً إلى أن ارتفاع الطلب على المواقع التجارية في ظل محدودية المعروض يفسر جانبا مهما من الارتفاعات المسجلة.

الإيجار يضغط على التاجر

لكن ارتفاع الإيجارات لا يبقى مجرد حركة سعرية في السوق العقارية بل ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المشروعات التجارية على الاستمرار ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل بهوامش ربح محدودة.

فالإيجار المرتفع يستنزف جزءاً كبيراً من رأس المال التشغيلي وقد يدفع بعض أصحاب الفعاليات إلى تقليص مساحة محالهم أو الانتقال إلى مناطق أقل تكلفة أو تخفيض عدد العاملين فيما قد يجد آخرون أن الاستمرار في الموقع نفسه لم يعد مجدياً اقتصادياً.

ويرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه الدكتور عبد الرحمن محمد أن ما تشهده حلب يتجاوز في دلالاته مجرد ارتفاع في الأسعار، موضحاً أن الأزمة ترتبط بصدمة هيكلية في جانب العرض نتيجة تضرر جزء من المخزون العقاري خلال سنوات الحرب بالتزامن مع عودة السكان وارتفاع الطلب.

أزمة عودة لا تضخم

ويشير محمد إلى أن عودة النازحين والسوريين من الخارج تمثل مؤشراً إيجابياً على الاستقرار والتعافي لكنها يمكن أن تتحول إلى عامل ضغط اقتصادي إذا لم تترافق مع سياسات إسكانية وتجارية وإعادة إعمار قادرة على زيادة المعروض بما يتناسب مع الطلب.

ويضيف: إن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب حلقة وصل مهمة بين عودة السكان والنشاط الاقتصادي من جهة وبين قدرة السوق العقارية على استيعاب هذه العودة من جهة أخرى.

وتزداد الضغوط مع ارتفاع تكاليف الترميم وإعادة التأهيل والتشغيل إذ تنعكس تكلفة إعادة تجهيز العقارات على القيمة الإيجارية التي يطلبها المالكون بينما يواجه أصحاب المشروعات ارتفاعاً متزامناً في تكاليف السلع والطاقة والخدمات والنقل.

كما أن ارتباط جزء من سوق الإيجارات التجارية بالدولار بصورة مباشرة أو غير مباشرة يجعل تكلفة ممارسة النشاط أكثر تقلبا ويصعب على أصحاب الأعمال وضع خطط مالية مستقرة لفترات طويلة.

خطر على الطبقة التجارية

ويحذر التحليل الاقتصادي من أن استمرار الفجوة بين المعروض والطلب قد يحول الإيجارات من مؤشر إلى تعافي النشاط الاقتصادي إلى عامل يضعف قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار.

ويتمثل الخطر الأكبر في احتمال انتقال عدد من التجار إلى مناطق أقل تكلفة أو خروج بعضهم من السوق الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع التنوع التجاري وتآكل جزء من الطبقة التجارية التي شكلت تاريخياً أحد أعمدة الاقتصاد الحلبي.

ولا تتوقف الآثار عند أصحاب المحال إذ إن ارتفاع الإيجارات ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات وعلى تكاليف تأسيس المشروعات الجديدة ما قد يحد من قدرة المستثمرين الصغار على دخول السوق.

الحل في زيادة المعروض

ويرى محمد أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقوم على تجميد الإيجارات فقط لأن التدخل الإداري المباشر في الأسعار قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويدفع بعض المالكين إلى العزوف عن التأجير أو البحث عن صيغ غير رسمية للعقود.

ويتمثل الحل الأكثر استدامة في زيادة المعروض العقاري والتجاري من خلال تسريع المخططات التنظيمية وتسهيل رخص البناء والترميم وتشجيع التطوير العقاري وإعادة تأهيل المناطق المتضررة بما يسمح بعودة عدد أكبر من المحال والأسواق إلى الخدمة.

كما يمكن لتحسين البنية التحتية وترحيل الأنقاض وإصلاح شبكات المياه والكهرباء وتأهيل الطرق في الأحياء المتضررة أن يوسع الخريطة التجارية ويخفف الضغط عن الأسواق التقليدية التي تستحوذ حالياً على القسم الأكبر من الطلب.

ويبرز التمويل الميسر كعامل أساس أيضاً إذ يمكن للقروض المخصصة لترميم المحال وتحديث التجهيزات وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أن تساعد التجار على الاستمرار والتوسع بدلاً من توجيه الجزء الأكبر من رأس المال إلى دفع الإيجارات.

حلب أمام اختبار اقتصادي

وتكشف حركة الإيجارات التجارية في حلب عن مرحلة جديدة في اقتصاد المدينة فارتفاع الطلب الناتج عن عودة السوريين يمثل فرصة حقيقية لاستعادة النشاط الاقتصادي لكنه في الوقت نفسه يفرض تحدياً يتمثل في قدرة السوق على توفير العرض الذي يتناسب مع هذه العودة.

وبينما يرى الباشا أن ارتفاع الإيجارات يأتي في سياق طبيعي فرضته زيادة الطلب وثبات المعروض يحذر التحليل الأكاديمي من أن استمرار هذه الفجوة من دون توسع عمراني وتجاري وتمويل مناسب قد يحول الإيجارات إلى عبء على النشاط الاقتصادي.

وبذلك فإن التحدي أمام حلب لا يتمثل فقط في إعادة فتح المحال المغلقة وإنما في بناء بيئة اقتصادية تستوعب عودة السكان وتوسع النشاط التجاري وتوفر مساحات جديدة للعمل والاستثمار.

فحلب تستعيد تدريجياً موقعها كأحد أهم المراكز الاقتصادية في سوريا لكن نجاح هذه العودة لن يقاس بعدد المحال التي تفتح أبوابها فقط بل بقدرة الاقتصاد المحلي على توفير بيئة تسمح للتاجر الصغير والمستثمر والمالك العقاري بالاستفادة من التعافي من دون أن يتحول ارتفاع الطلب إلى عائق جديد أمام النمو.

مواضيع: