المزيد

‫آخر الأخبار:‬

إيرادات تتحسن وعجز يتسع

‫شارك على:‬
20

يحمل تقرير الأداء المالي للنصف الأول من عام 2026 أهمية تتجاوز عرض أرقام الإيرادات والنفقات لأنه يقدم صورة أكثر وضوحاً عن كيفية إدارة المال العام في مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية، تتداخل فيها متطلبات التعافي وإعادة بناء المؤسسات والخدمات مع محدودية الموارد وارتفاع كلفة الإنفاق.

الإيجابي في التقرير أنه يعكس اتجاهاً نحو مزيد من الشفافية والإفصاح المالي، خصوصاً أن نشر “نسخة المواطن” من الموازنة يتيح للرأي العام الاطلاع على أداء المالية العامة ومقارنة المخطط مع المنفذ.

هذه خطوة مهمة في بناء الثقة، لأن إدارة المال العام لا ينبغي أن تبقى شأناً فنياً مغلقاً داخل المؤسسات، بل جزء من علاقة الدولة بالمجتمع.

تظهر الأرقام تحسناً واضحاً في قدرة الخزينة على تحصيل الإيرادات، إذ بلغت الإيرادات خلال النصف الأول نحو 2.7 مليار دولار، مدفوعة بصورة رئيسية بالرسوم الجمركية وعوائد استثمارات الدولة وإيرادات النفط والغاز والضرائب والرسوم.

كما أنها توضح بدء توريد إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية، إلى جانب الإيرادات المنتظرة من رخصة المشغل الخلوي الثاني ورسوم عبور الوقود، ما يوفر للخزينة مصادر إضافية يمكن أن تدعم المالية العامة خلال المرحلة المقبلة.

لكن هناك الصورة الأخرى لا تقل أهمية، فقد بلغت النفقات نحو 3.7 مليارات دولار، ما أنتج عجزاً يقارب 1.005 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط.

والأكثر إثارة للانتباه أن النفقات ارتفعت بوتيرة أكبر بكثير من الإيرادات مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي وهذا يعني أن تحسن التحصيل، رغم أهميته، لم يكن كافياً لمواكبة التوسع في الإنفاق.

وتبرز في قراءة أرقام التقرير ملاحظة أخرى تتعلق بطريقة عرض البيانات، إذ اختير الدولار الأميركي لعرض الإيرادات والنفقات والعجز بدلاً من الليرة السورية، ورغم أن استخدام الدولار قد يسهل قراءة الحجم المالي والمقارنة، فإن عرض الأرقام بالليرة إلى جانب الدولار كان سيتيح قراءة أدق لتطور الأداء المالي محلياً، ولاسيما في ظل تقلبات سعر الصرف، إذ قد يؤدي التحويل إلى الدولار إلى إخفاء جانب من التغيرات التي طرأت على القيمة الفعلية للإيرادات والنفقات بالعملة المحلية.

المشكلة هنا ليست في وجود العجز بحد ذاته، إذ قد يكون العجز مبرراً في اقتصاد يمر بمرحلة إعادة بناء إذا وجه إلى الاستثمار المنتج والبنية التحتية والخدمات الأساسية. المشكلة تبدأ عندما يتحول العجز إلى نتيجة دائمة لفجوة بين نفقات متنامية وإيرادات لا تنمو بالسرعة نفسها، أو عندما يجري تمويله بأدوات قصيرة الأجل تخلق التزامات مالية مستقبلية.

وتبرز هنا ملاحظة تستحق التوضيح من وزارة المالية، إذ لم يتضمن تقرير الأداء المالي للنصف الأول إشارة واضحة إلى مساهمة الصندوق السيادي في تمويل العجز، رغم أن وزير المالية كان قد أعلن عند إطلاق “نسخة المواطن” لموازنة 2026 أن جزءاً من تمويل العجز سيأتي من أرباح الصندوق السيادي، إلى جانب السندات والصكوك.

هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود تغيير في آلية التمويل، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كانت مساهمة الصندوق قد تحققت فعلاً خلال النصف الأول، وما قيمتها، وكيف جرى احتسابها وتسجيلها ضمن الحسابات العامة. وفي إطار تعزيز الشفافية التي تستهدفها “نسخة المواطن”، فإن الإفصاح عن هذه التفاصيل يصبح أكثر أهمية، خصوصاً أن أموال الصندوق، وفق تصريحات الوزير، تعد جزءاً من أموال الخزينة العامة.

ومن زاوية أخرى، فإن ارتفاع الإنفاق الاستثماري يمثل نقطة إيجابية إذا كان موجهاً إلى مشاريع قادرة على رفع الإنتاجية وتحفيز النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية مستقبلاً، أما إذا ذهبت الزيادة الأكبر إلى النفقات الجارية، فإن أثرها الاقتصادي سيكون أضعف، وستجد الدولة نفسها أمام إنفاق متكرر يحتاج إلى موارد متكررة لتمويله.

الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون الانتقال من إدارة العجز إلى إدارة أسبابه وهذا يتطلب توسيع الإيرادات المستدامة بدلاً من الاعتماد المتزايد على الإيرادات الاستثنائية، وإصلاح الإدارة الضريبية والجمركية، ومكافحة التهرب والتسرب المالي، وربط الإنفاق الاستثماري بمؤشرات واضحة للعائد الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن نشر الأرقام وحده لا يكفي لبناء الثقة، والمطلوب أن يترافق الإفصاح مع تفسير واضح لانحرافات التنفيذ، ونشر دوري لنتائج الموازنة، وبيان كيفية استخدام أدوات تمويل العجز وتكلفتها وآجال سدادها.

تقرير النصف الأول يقدم صورة مزدوجة، مالية عامة أصبحت أكثر انفتاحاً على الإفصاح، وإيرادات بدأت تتحسن، لكن في المقابل هناك إنفاق ينمو بسرعة أكبر وعجز يتسع، فالاختبار الحقيقي لموازنة 2026 ليس في قدرتها على الإنفاق وإنما في قدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى نمو وإيرادات وفرص عمل، بحيث لا تصبح إعادة البناء نفسها سبباً في بناء عجز مالي جديد.