كثيراً ما نتحدث عن أزمة الثقافة، وعن تراجع القراءة، وضعف الوعي، وانحسار حضور الكتاب في حياة الناس، كأن المشكلة تكمن في الثقافة نفسها، لكنني أتساءل: هل أزمتنا فعلاً في الثقافة، أم في بعض الذين يحملونها؟
فالثقافة في أصلها معرفة ووعي وفكر وتجربة، وكلما اتسعت آفاق الإنسان الثقافية، يفترض أن يصبح أكثر فهماً للحياة، وأكثر قدرة على الحوار، وأشد احتراماً للآخر، لأن المعرفة الحقيقية لا تملأ العقل بالمعلومات فقط، وإنما توسع نظرته إلى الناس والأفكار والأحداث.
لكن المفارقة أننا قد نجد إنساناً واسع المعرفة، كثير القراءة، قادراً على الحديث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تراه عند أول خلاف لا يحتمل رأياً مخالفاً، أو يسخر من صاحبه، أو يصفه بأقسى الصفات، كأن كل ما قرأه وتعلمه لم يجد طريقه إلى سلوكه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ما قيمة الثقافة إذا لم تغيّر سلوك صاحبها؟
وما قيمة أن يعرف الإنسان معنى الحوار، ثم لا يحسن الحوار؟ وأن يتحدث عن الحرية، ثم يرفضها حين تكون في مصلحة من يختلف معه؟ وأن يدافع عن كرامة الإنسان، ثم يهدر كرامة خصمه لمجرد أنه لا يشاركه الرأي؟
ربما ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، وإنما في انفصال المعرفة عن الأخلاق، فالثقافة ليست عدد الكتب التي قرأناها، ولا الشهادات التي نحملها، ولا المصطلحات التي نستطيع استخدامها، وإنما الأثر الذي تتركه هذه المعرفة في طريقة تفكيرنا، وفي قدرتنا على فهم الآخرين، وفي أسلوبنا في التعامل معهم.
ولهذا فإن المثقف الحقيقي لا يصبح أكثر غروراً كلما ازداد علماً، وإنما يكون أكثر تواضعاً، لأنه يدرك أن ما يعرفه، مهما اتسع، يظل جزءاً صغيراً من عالم واسع، ولا يصبح أكثر قسوة في الاختلاف، وإنما أكثر قدرة على فهم وجهة النظر الأخرى، حتى حين لا يوافقها.
وهنا يظهر الفرق بين من يحمل الثقافة، ومن تحمله الثقافة، فالأول قد يملك معلومات كثيرة وشهادات متعددة وقدرة على الحديث والكتابة، أما الثاني فقد تركت المعرفة أثرها في شخصيته، فأصبح أكثر إنصافاً، وأهدأ في اختلافه، وأشد احتراماً للإنسان.
ولا يعني ذلك أن الثقافة معفاة من المسؤولية، فالثقافة التي تكتفي بتكديس المعلومات، ولا تسهم في بناء الإنسان وقيمه، تحتاج هي الأخرى إلى مراجعة، لكن المشكلة تصبح أكبر حين تتحول الثقافة إلى واجهة اجتماعية أو وسيلة للتفوق على الآخرين، بدل أن تكون طريقاً لفهمهم والاقتراب منهم.
وقد يستخدم بعض المثقفين ما لديهم من معرفة لتبرير مواقفهم بدل مراجعتها، أو للدفاع عن الإقصاء بدل مقاومته، أو لإثبات أنهم على حق بدل البحث عن الحقيقة، فتتحول المعرفة عندها من وسيلة للإصلاح إلى أداة للخصومة.
نحن لا نحتاج إلى مثقف يعرف أكثر فقط، وإنما إلى مثقف يفهم أكثر، وينصف أكثر، ويختلف بأدب أكثر، لأن المجتمعات لا تتغير بكثرة المثقفين فيها، وإنما بنوعية الأثر الذي يتركونه في وعي الناس وسلوكهم.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل لدينا ثقافة؟ وإنما: هل أصبحت الثقافة فينا سلوكاً؟
فالاختبار الحقيقي للثقافة لا يكون في المنبر، ولا في الكتاب، ولا في عدد المصطلحات التي نعرفها، وإنما يظهر في اللحظة التي نختلف فيها مع الآخرين، فهناك تحديداً يظهر مقدار ما تعلمناه، ويظهر أيضاً ما إذا كانت الثقافة قد هذّبت الإنسان فعلاً، أم أنها بقيت مجرد معلومات محفوظة وكلمات جميلة.
فالثقافة الحقيقية لا تظهر في كثرة ما نعرف، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع الناس، فإذا جعلتنا أكثر تواضعاً وإنصافاً ورحمة واحتراماً للآخر، فقد أدت رسالتها، وإن جعلتنا أكثر تعصباً وغروراً وإقصاءً، فالمشكلة ليست في الثقافة التي نملكها، وإنما في أننا لم نحولها إلى سلوك وأخلاق.
وهنا ربما تكمن أزمتنا اليوم، ليست في غياب الثقافة، وإنما في غياب أثرها على سلوك بعض المثقفين.







