المزيد

‫آخر الأخبار:‬

التدريب والخبرة والحوكمة… أساس بناء المؤسسات

‫شارك على:‬
20

في مراحل بناء الدول، لا تكفي الرغبة في العمل، ولا يكفي أن يشغل الإنسان موقعاً إدارياً حتى يصبح قادراً على تحمل مسؤولياته كاملة. فكل مسؤولية تحتاج إلى معرفة، وكل موقع يحتاج إلى خبرة، وكل مؤسسة تحتاج إلى نظام واضح يساعد العاملين فيها على أداء أعمالهم بصورة أفضل.

وسوريا اليوم أمام مرحلة جديدة تحتاج فيها مؤسسات الدولة إلى تطوير أساليب العمل، والاستفادة من الخبرات الموجودة، وفتح المجال أمام التدريب والتأهيل، لأن بناء المؤسسات لا يتم في وقت قصير، ولا يمكن أن يعتمد على الاجتهاد الشخصي وحده.

وقد يكون من الطبيعي في أي مرحلة انتقالية أن يتولى بعض الأشخاص مسؤوليات جديدة لم يسبق لهم التعامل معها، وهذا ليس عيباً بحد ذاته. لكن المهم أن ترافق المسؤولية عملية تدريب حقيقية، وأن يحصل الموظف والمسؤول على الأدوات التي تساعده على اتخاذ القرار الصحيح وفهم طبيعة العمل الذي يقوم به.

فالخبرة لا تعني فقط عدد السنوات التي قضاها الإنسان في العمل، وإنما تعني أيضاً ما اكتسبه من معرفة، وقدرة على التعامل مع المشكلات، وفهم للأنظمة والإجراءات، ومعرفة بما قد يترتب على القرار من نتائج.

ومن هنا تأتي أهمية الحوكمة، وهي ببساطة أن تكون طريقة العمل واضحة: من يقرر، ومن ينفذ، ومن يراجع، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف يتم توثيق القرارات ومتابعتها.

فالعمل المؤسسي الجيد لا ينبغي أن يعتمد على شخص واحد، مهما كانت كفاءته، وإنما على نظام واضح يستمر حتى مع تغير الأشخاص. وعندما تكون الصلاحيات محددة، والمسؤوليات واضحة، والرقابة موجودة، تصبح فرص الخطأ والتجاوز أقل، ويصبح اكتشاف الخلل ومعالجته أسرع.

كما أن الحوكمة لا تعني تعقيد العمل أو زيادة الإجراءات والروتين، وإنما تعني تنظيمه بطريقة تساعد المؤسسة على تحقيق أهدافها، وتحفظ المال العام، وتمنع تضارب الصلاحيات، وتوفر قدراً أكبر من الشفافية والمساءلة.

ولذلك فإن الاستثمار في تدريب الموظفين والمسؤولين ليس أمراً ثانوياً، بل هو جزء من بناء الدولة. فالتدريب الجيد قد يختصر سنوات من التجربة والخطأ، والتأهيل المناسب قد يساعد المسؤول على اتخاذ قرار أفضل، كما أن تبادل الخبرات يمكن أن يفتح أبواباً جديدة للتطوير.

ومن المفيد أيضاً الاستفادة من أصحاب الخبرة، سواء كانوا داخل مؤسسات الدولة أو خارجها. فليس المطلوب أن تبدأ المؤسسات من الصفر، ولا أن تعيد اكتشاف ما توصلت إليه تجارب الآخرين. هناك خبرات سورية يمكن الاستفادة منها، وهناك تجارب دولية يمكن دراسة ما يناسب منها وتطبيقه بما يتلاءم مع واقعنا.

وفي هذا المجال، نحن لا ننظر إلى الأمر من موقع الناقد الذي يكتفي بالإشارة إلى مواطن الخلل، وإنما من موقع من يؤمن بأن المرحلة تحتاج إلى مشاركة الجميع بما يستطيعون تقديمه.

ونحن على استعداد للمساهمة بما نملكه من خبرة ومعرفة في مجال التدريب على مبادئ الحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي، إذا كان في ذلك ما يمكن أن يساعد مؤسسات الدولة على أداء أعمالها بصورة أكثر تنظيماً وكفاءة.

فالمساهمة في بناء المؤسسات ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا مسؤولية الموظفين وحدهم، وإنما مسؤولية كل من يستطيع أن يقدم معرفة أو خبرة أو تجربة يمكن أن تفيد في هذه المرحلة.

إن بناء الدولة لا يحتاج فقط إلى أشخاص يريدون العمل، بل إلى أشخاص مدربين، وأنظمة واضحة، وخبرات متراكمة، وحوكمة تحمي العمل من الارتجال وتساعد على استمراره.

وسوريا التي تتطلع إلى بناء مؤسسات قوية وفعالة، تحتاج إلى أن تجعل التدريب وتطوير الخبرات وتحسين أساليب الإدارة جزءاً دائماً من عملها، لا إجراءً موقتاً مرتبطاً بمرحلة معينة.

فكلما ارتفعت كفاءة الإنسان، تحسن أداء المؤسسة، وكلما تحسن أداء المؤسسة، أصبح بناء الدولة أكثر ثباتاً واستقراراً.

والله أسأل أن يوفق كل من يعمل من أجل بناء سوريا، وأن تتكامل الجهود والخبرات، وأن نرى مؤسسات أكثر كفاءة وتنظيماً، تخدم الناس وتواكب تطلعاتهم نحو مستقبل أفضل.