كنا قد تحدثنا قبل فترة عن الخلل النقدي الذي أحدثه غياب بعض الفئات النقدية الصغيرة من التداول، وحذرنا يومها من أن المشكلة لن تبقى محصورة في عبارة “ما معي فراطة، سامحني”، بل ستتحول تدريجياً إلى تضخم مقونن يجد لنفسه مبررات يومية، ويبدأ الناس بالتعامل معه باعتباره أمراً طبيعياً لا مفر منه… ويبدو أن ما حذرنا منه بدأ يتحقق، وأحد أوضح الأمثلة اليوم هو تعرفة وسائل النقل العامة.
فبعد أن كانت التعرفة 35 ليرة، ارتفعت إلى 40 ليرة بحجة عدم وجود فئة الخمس ليرات، وكأن غياب الفراطة أصبح سبباً اقتصادياً كافياً لرفع الأسعار واليوم ارتفعت التعرفة مجدداً إلى 50 ليرة للتخلص من مشكلة الفراطة نهائياً والمفارقة أن هذا الرفع يأتي بعد أن انخفضت أسعار المحروقات، أي أن أحد أهم مبررات ارتفاع كلفة النقل تراجع، ومع ذلك ارتفعت التعرفة بدلاً من أن تستقر أو تنخفض وهنا لا تعود المشكلة في قيمة الزيادة وحدها، بل في تكريس منطق اقتصادي خطير يجعل كل عائق نقدي أو تشغيلي مبرراً لإعادة تسعير الخدمة.
قد يقول البعض إن خمس عشرة ليرة لا تستحق كل هذا الجدل، لكن الاقتصاد لا يقاس بقيمة الزيادة منفردة، بل بتكرارها واتساعها وانعكاسها على ميزانية الأسرة، فبالنسبة إلى مواطن يحصل في غالبيته على راتب يقارب 12 ألف ليرة، فإن الزيادة البالغة 15 ليرة في الرحلة الواحدة تعني أن أسرة من خمسة أفراد افتراضيا ستدفع 75 ليرة إضافية في الاتجاه الواحد، أي نحو 2250 ليرة شهرياً إذا اقتصرت حركة كل فرد على رحلة واحدة يومياً، وترتفع الكلفة إلى نحو 4500 ليرة مع احتساب رحلة الذهاب والإياب… أي إننا نتحدث عن نسبة تعادل ربع الراتب أو تتجاوزه في بعض الحالات، ولا سيما لدى الأسر التي تضطر إلى التنقل من الضواحي والمناطق البعيدة.

إذاً جوهر المشكلة هو أن الزيادة الصغيرة حين تتكررعلى النقل والسلع والخدمات تتحول إلى عبء كبير على دخل الأسرة، خصوصاً عندما لا ترافقها زيادة مماثلة في الأجور، عندها لا يعود المواطن أمام تضخم مستورد أو نتيجة ارتفاع سعر الصرف فقط، بل أمام تضخم تصنعه قرارات التسعير اليومية وتكرسه السوق بالتدريج.
الحل لا يكون بمنع أي تعديل للأسعار، فلكل خدمة كلفتها، وإنما بوضع آلية واضحة للتسعير ترتبط بعناصر الكلفة الفعلية، وفي مقدمتها المحروقات وأجور التشغيل، مع مراجعة التعرفة عند انخفاض هذه التكاليف كما تتم مراجعتها عند ارتفاعها، كما أن معالجة مشكلة الفئات النقدية الصغيرة يجب أن تكون نقدية بالدرجة الأولى، عبر تأمين الفئات اللازمة للتداول، لا تحويل غيابها إلى مبرر دائم لرفع الأسعار، أو عبر تفعيل مبدأ البطاقات الشهرية أو حتى الدفع الإلكتروني.
الأخطر أن يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع ثمن كل خلل، مرة بسبب غياب الفراطة، ومرة بسبب ارتفاع الكلفة، ومرة بحجة صعوبة التسعير، فالمواطن لا ينبغي أن يكون الطرف الذي يدفع كلفة الاختلالات في السياسة النقدية والتسعيرية وممارسات السوق معاً…. فالمطلوب اليوم وقف هذا المسار قبل أن يصبح التضخم المقونن قاعدة في السوق، لأن حماية دخل المواطن لا تبدأ برفع راتبه فقط، بل تبدأ أيضاً بمنع تسرب هذا الراتب عبر زيادات صغيرة متلاحقة تبدو كل واحدة منها غير مؤثرة، بينما تكشف الفاتورة النهائية أنها استنزفت جزءاً كبيراً من دخله.







