لا حلول عاجلة لبناء علاقة رضا بين الجمهور والصحافة والصحفي السوري، فالكل يريدها كما يتصوّر، وفقاً لتجربته أو أمانيه ومكان إقامته، من دون مراعاة لسياق ولادتها القصير نسبياً، بعد عقود النظام البائد وما أورثته من ذهنية في العلاقة بين الطرفين، القائمة على التشكيك وغياب الثقة.
حسناً، شيءٌ من تفكيك المشهد ربما يساعد في الإجابة.
تجربة الولادة الجديدة وظروفها وسياقها عامل أساسي ومهم

فالمشهد الإعلامي السوري بعمومه دخل الواقع الجديد محمّلاً بإرث مؤسسات وقوانين معيقة للعمل الصحفي الذي تحيط به عوائق في البنى التحتية، وعزلة طويلة عن تطورات المشهد الإعلامي العالمي، ونقص في الكفاءة والتدريب والتأهيل، فضلاً عن مهمة أصعب تتمثّل في نزع لبوس الخوف و”المداراة” من ذهن الصحفي، بعد عقود من تبعية المؤسسات الإعلامية لأجهزة الأمن وتسلّطها على ماهية الرسالة الإعلامية بالعموم.
كل تفصيل نعيشه اليوم إعلامياً “ممسوس” بالأمس القريب وجراحه.
صحفيّ اليوم وليد جراح الأمس الثقيلة، يتوجس من شريك العمل وخلفياته، ويتطلع للغد كمهموم بين توازنات فرضها التحوّل السوري الجديد.
هذا لا يقلّل الواجبات والمطالب، ولا يمنح أحدا صك براءة من الأخطاء، لكنه دعوة لمقاربة واقعية. فكما يقول المثل الشعبي: “العين بصيرة واليد قصيرة”. نعرف أين نريد الوصول، لكن معرفة الطريق لا تعني امتلاك أدوات الوصول إليه دفعة واحدة.
كل توصيف للإعلام السوري بطريقة “الشوال” غير منصف. لا أحد يصف المشهد الإعلامي الفرنسي أو الأميركي أو العربي، بكل تفرعاته وتناقضاته، بهذه الطريقة.
عادةً نختار نموذجاً أو مؤسسة للدراسة والبحث والمعرفة والمقارنة.
لا نحمل خطأ صحيفة فرنسية إلى جميع صحفيي فرنسا، ولا سقطة قناة أميركية إلى كامل الإعلام الأميركي، ولا نحاكم مراسل وكالة بما فعله مقدّم برنامج رأي في محطة أخرى.
المشهد الإعلامي السوري يختلف اليوم عن عهد النظام البائد بتنوّعه وتعدّده، من الحكومي الرسمي، والحكومي شبه الرسمي بتعاطيه وانفتاحه على قضايا الناس وهمومهم وتطلّعاتهم، وصولاً إلى الإعلام المستقل حديث العهد وضعيف الإمكانيات، وليس انتهاءً بالإعلام الدولي و”تزويمه” على كل حدث وقصة في أقصى جنوب سوريا أو شمالها، وليس ببعيد مشهد “السوشيال ميديا” ودورها ورقابتها في كل حارة وبيت ومدينة.
مناقشة الإعلام الحكومي الرسمي أمر محق وواجب، لكن ضمن سياقه وظروفه، ومقارنته تكون بقرينه العربي، وكالة أنباء بمثلها، صحيفة حكومية بأخرى، وصحفي عامل في القطاع الحكومي بزميله هناك. عندها نستطيع أن نسأل بصورة أكثر عدلاً: كم مساحة الحركة المتاحة؟ كيف يتعامل مع الخبر السيّئ؟ هل يستطيع نقل شكوى المواطن؟ أين تبدأ الخطوط الحمراء وأين تنتهي؟ وهل تغيّرت المسافة بين الصحفي وصانع القرار عما كانت عليه بالأمس؟
الأمثلة عديدة، صور وكالة الأنباء الرسمية “سانا” ليست صفحة “فيس بوك”، تُعدّل وتُحذف وتُخطّأ، ونقول هذا رأينا الشخصي، خبرها لا يبتغي “سبقاً” وشهرةً، ومراسلها ليس صاحب القرار الأخير في جملته وعبارته.
كل وكالات الأنباء الرسمية تحتكم للهرمية في تسلسل القرار وصولاً إلى النشر.
الكلمة، وتحديداً “السياسية”، محسوبة بدقة، وقد تكون أبعد من حدود الوكالة ذاتها، لأنها تُقرأ كموقف للحكومة وسياستها وموقفها من الحدث، وتُوزّع أخبارها على الوكالات العالمية ودولها.
هل الأمر بالسياق ذاته مع بقية الإعلام الحكومي؟
أبداً، أمامنا تجربة الإخبارية السورية وبرامجها الحوارية وتغطياتها، والفضائية السورية، وجريدة الثورة والوطن وتشرين، ومساحة الحرية في التغطيات الداخلية ومساحات الرأي والنقاش، لذا لا تُؤخذ الأمور “بالشوال”.
نعم، نريد رفع السقف والمطالبة بالأفضل، لكن المقارنات خاطئة و”ظالمة” بين مؤسسة سورية خارجة للتو من السيطرة الأمنية وبين مؤسسة أوروبية تراكمت تقاليدها المهنية والقانونية لعشرات السنين. هذا يشبه مطالبة عدّاء بدأ السباق للتو بمنافسة من قطع نصف المضمار.
في إسبانيا، بعد فرانكو، احتاج الإعلام إلى سنوات حتى يعيد تعريف علاقته بالدولة والأحزاب والمجتمع، ويتعلّم ممارسة الحرية بعدما اعتاد حدود الرقابة.
وفي دول أوروبا الشرقية، بعد سقوط الأنظمة الشيوعية، لم يكن إلغاء الرقابة كافياً لصناعة إعلام مستقل في صباح اليوم التالي؛ فبقيت مشكلات الملكية والتمويل والتدريب والعلاقة بالسلطة والثقة العامة حاضرة لسنوات طويلة.
التجربة تحتاج إلى وقت وممارسة وضمانات حتى نكتشف حدود مساحتنا الجديدة.
والمؤسسة التي اعتادت انتظار الهاتف والتعليمات لا تتحوّل بقرار إداري إلى غرفة أخبار مستقلة، والجمهور الذي اعتاد بدوره أن يبحث عما وراء الخبر الرسمي، وأن يفترض أن نصف الحكاية مخفي، لن يمنح ثقته في اليوم التالي لمجرد تغيّر أسماء المسؤولين.
التركة الثقيلة حاضرة، لكن الأهم: كيف نعيد بناء الثقة بين الإعلام والشارع؟
بدايةً، واجب الإعلام ومؤسساته والعاملين في مضماره هو المبادرة، وفهم خصوصية المرحلة، وأن شارعاً ممتداً وحاضراً ومراقباً ينتظر المزيد والأكثر والأشمل والأجرأ. بيئة عطشى لم تعرفها سوريا في تاريخها.
هذه مسؤولية كبيرة، وعليه دائماً الدفع ليثبت للجمهور استقلاليته ودقّته وجرأته، وعلى الجمهور واجب التمييز بين النقد المشروع وبين هدم المهنة كلها بسبب خطأ أو تقرير أو عنوان.
تحويل كل خطأ مهني إلى دليل على فساد “الإعلام السوري” كله يعيد إنتاج التعميم ذاته الذي نرفضه في ملفات أخرى.
“كل مين على دينه الله يعينه”، ولكل مؤسسة ظروفها وتمويلها وسياستها التحريرية وقدرتها على الوصول إلى المعلومة. وهذه ليست دعوة لخفض المعايير، بل على العكس تماماً، فتحديد المسؤولية يجعل المحاسبة أكثر دقة.
عندما تخطئ وكالة نُحاسب الوكالة، وعندما تُقصّر صحيفة نناقش الصحيفة، وعندما يتحوّل صحفي إلى” بوق” نُسمّيه ونُناقش أداءه، بدلاً من وضع عشرات المؤسسات ومئات الصحفيين تحت عنوان فضفاض اسمه “الإعلام السوري”.
ثم إننا نطلب أحيانا من الصحفي السوري ما لا نطلبه من صحفيين يعملون في دول مستقرّة.
نريده أن يصل إلى المعلومة بسرعة، ويتحقّق منها من ثلاثة مصادر، ويواجه المسؤول، ويكشف الفساد، ويحمي مصادره، ولا يخطئ، ولا ينحاز، ولا يخاف، ولا يجامل، وأن يفعل ذلك أحياناً من دون قانون واضح يضمن حق الوصول إلى المعلومات، ومن دون مؤسسات راسخة تحميه، ووسط استقطاب سياسي واجتماعي حاد.
“بدنا العنب ولّا بدنا نقاتل الناطور؟”
الواقع السوري بتجربته الإعلامية يقول إننا نحتاج إلى كل شيء، بدءاً من قانون ومؤسسة وتدريب وتمويل وشفافية ومصادر متاحة ونقابات مهنية وقضاء يفهم خصوصية العمل الصحفي، وفوق ذلك كله نحتاج إلى وقت وتراكم.
خصوصية المرحلة الانتقالية في المشهد السوري تشفع لنكون أمام فرصة للتعلّم والتصحيح والمكاشفة، لكن المحاذير تقول إنها ليست رخصة دائمة للتقصير، وإن منحنى الأداء يجب أن يكون صاعداً فخطأ اليوم يجب ألا يتكرّر غداً، والمساحة التي انتزعها الصحفي اليوم عليه أن يحافظ عليها ويوسّعها غداً، والمؤسسة التي تعلّمت الاعتذار والتصحيح عليها أن تجعل ذلك تقليداً لا حادثة استثنائية.
ربما علينا أن نقبل أولاً بأن هذا هو إعلامنا اليوم، بإيجابياته ونواقصه، بتجاربه الجديدة وإرثه الثقيل، ثم نعمل كي لا يبقى كذلك غداً.
الإعلام السوري اليوم يتعلّم المشي خارج جدران ضيّقة جداً، عاش بينها لعقود.
ومن حقنا أن نراقبه، وننتقده، ونرفع سقف توقّعاتنا منه، ونحاسبه حين يخطئ.
لكن من الإنصاف أيضاً أن نترك له مساحة كي يمشي، لا حصاره جلداً وتقذيعاً، “على الطالعة والنازلة”.






