المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حين يكون الترفيه جزءاً من البناء… لا بديل منه

‫شارك على:‬
20

حين تبدأ الأوطان مرحلةً جديدة من البناء، تتسع أمامها مساحة الأمل، وتكثر الأسئلة حول الغد الذي نريده، وحول الإنسان الذي نريد أن يكون محور هذا البناء وهدفه.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، ولا تقاس نهضتها بعدد المباني والطرق والمطارات التي تُنجز، وإن كانت كلها ضرورية. البناء الحقيقي أوسع من ذلك؛ إنه بناء الإنسان، وتعليمه، وصقل ذوقه، وحماية ثقافته، وفتح الأبواب أمامه ليتعرف إلى وطنه، ويكتشف جماله، ويشعر بأن له مكاناً في مستقبله.

ومن هنا يبدأ حديثنا عن الترفيه، لا باعتباره أمراً ثانوياً، ولا باعتباره بديلاً من الأولويات، وإنما بوصفه جزءاً من الحياة التي نريد أن نبنيها للإنسان.

لسنا ضد الترفيه، فالإنسان يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى العمل والراحة والعلم والثقافة. لكن السؤال الذي يستحق أن نتأمله بهدوء هو: أي ترفيه نريد؟ وكيف نجعله جزءاً من عملية البناء، لا بديلاً منها؟

فنحن في بلد ما زال يواجه تحديات كبيرة؛ أسر تحتاج إلى الاستقرار والعمل، وأطفال يحتاجون إلى المدارس، ومرضى يحتاجون إلى الخدمات الصحية، وأناس يحتاجون إلى بيت آمن وفرصة عمل. ومن الطبيعي أن تكون هذه الاحتياجات في مقدمة الأولويات.

لكن ذلك لا يعني أن نؤجل الفرح حتى تنتهي كل مشكلات الحياة؛ فالحياة لا تنتظر اكتمال الأشياء حتى تبدأ.

نحتاج إلى أن نبني، وأن نفرح ونحن نبني؛ نحتاج إلى مدرسة جيدة، وإلى نشاط يجعل الطالب يحب المعرفة. ونحتاج إلى جامعة متطورة، وإلى مساحات يلتقي فيها الشباب ويتحاورون ويكتشفون مواهبهم. ونحتاج إلى المستشفى والطريق والمطار، كما نحتاج إلى المسرح والمكتبة والمتحف والحديقة والمكان الذي يمنح الإنسان شيئاً من الراحة والبهجة.

وهنا يصبح الترفيه جزءاً من التنمية، لا شيئاً منفصلاً عنها.

ولعل من أجمل صور الترفيه الذي يجمع بين المتعة والفائدة الاهتمام بالرحلات الطلابية والثقافية؛ فالطالب الذي يزور موقعاً أثرياً أو مدينة تاريخية، ويستمع إلى حكاية المكان، أو يشارك في نشاط ثقافي أو فني، لا يعود بصورة في هاتفه فقط، بل يعود بمعرفة وذكرى وانتماء.

ولماذا لا تكون هذه الرحلات جزءاً من مشروع وطني أوسع؟

رحلات إلى دمشق القديمة، وحلب وأسواقها وقلعتها، وتدمر، وحماة ونواعيرها، وحمص وباديتها، والساحل السوري، والفرات ودير الزور، وكل منطقة تحمل حكاية من حكايات سورية.

فالبلد الذي يعرف أبناؤه تاريخه، ويشاهدون جماله بأعينهم، يصبح أكثر قدرة على حماية هذا التاريخ وهذا الجمال.

وهنا يبرز الدور المشترك بين وزارتي السياحة والثقافة.

فالسياحة ليست فقط استقبال الزائرين وتنظيم الفعاليات، والثقافة ليست فقط إقامة مهرجان أو أمسية شعرية. هناك مساحة واسعة يمكن أن تعمل فيها الوزارتان معاً؛ بحيث تصبح الثقافة عاملاً من عوامل الجذب السياحي، وتصبح السياحة وسيلة لتعريف الناس بثقافتهم وتراثهم.

وسورية تملك ما يكفي لصناعة تجربة غنية ومتكاملة؛ فهي بلد التاريخ والآثار، والمدن القديمة، والبحر والجبال والبادية والفرات، وهي أيضاً بلد الشعر والأدب والمسرح والحرف التقليدية، وفيها قامات أدبية وفنية وفكرية تستحق أن تعرفها الأجيال الجديدة، وأن يعرفها القادمون إلى سورية من كل مكان.

ولا ينبغي أن نفكر بالسائح على أنه القادم من بلد آخر فقط، فالسائح يمكن أن يكون ابن سورية الذي يعيش في الخارج، ويعود إلى وطنه حاملاً أبناءه وأصدقاءه، يريد أن يريهم المكان الذي خرج منه، والمدينة التي ما زالت ذاكرته معلقة بها.

وهذا النوع من السياحة يحمل معنى خاصاً؛ لأنه لا يعيد الزائر إلى المكان فحسب، بل يعيد الإنسان إلى جزء من ذاكرته.

كما أن سورية قادرة على استقبال زوار من مختلف البلدان، وتقديم صورة جميلة عن تاريخها وحضارتها وإنسانها. والسائح الذي يزور موقعاً أثرياً، ثم يستمع إلى موسيقا سورية، أو يتعرف إلى حرفة تقليدية، أو يجلس في سوق قديم، سيغادر وهو يحمل صورة أعمق من مجرد صورة التقطها في مكان سياحي، ومن هنا يمكن أن يصبح الترفيه نفسه وسيلة للتعريف بالوطن.

فعندما تقام فعالية أدبية في مكان تاريخي، أو معرض للحرف في مدينة قديمة، أو أمسية شعرية في أحد المواقع الثقافية، فإننا لا نقدم ساعات من المتعة فقط، بل نربط الحاضر بالماضي، ونمنح المكان حياة جديدة، ونقدم للزائر تجربة لا تتكرر بسهولة.

وهذا هو النوع من الترفيه الذي نحتاج إلى تشجيعه؛ الترفيه الذي يترك أثراً.

فالفرح ليس خطأ، والفعاليات الأدبية والفلكلورية ليست خطأ، والفن ليس ترفاً زائداً، والشباب من حقهم أن يفرحوا ويجتمعوا ويستمتعوا بأوقاتهم. لكن من حقهم أيضاً أن نقدم لهم ما يرفع ذائقتهم، ويوسع معرفتهم، ويمنحهم شيئاً يعودون به إلى حياتهم.

إننا لا نريد أن نغلق باب الترفيه، وإنما نريد أن نفتح له أبواباً أوسع؛ أبواباً يدخل منها الفن الراقي، والشعر، والمسرح، والرحلات، والرياضة، والمعرفة، والسياحة، والموسيقا، وكل ما يجعل الإنسان أكثر توازناً وأقرب إلى الحياة.

وهذا ينسجم مع فكرة أكبر من الترفيه نفسه: بناء الإنسان المتوازن.

فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف كيف يتعامل مع نفسه، فيوازن بين العمل والراحة، وبين حاجاته ورغباته. ويحتاج إلى علاقة صحيحة مع الله سبحانه وتعالى، تقوم على الإحسان ومراقبته في القول والعمل. ويحتاج كذلك إلى علاقة سليمة مع الآخرين، أساسها الأخلاق والاحترام والتسامح وحفظ الحقوق.

وعندما ننجح في بناء هذا الإنسان، يظهر أثر ذلك في الأسرة والمدرسة والشارع والعمل والثقافة، وحتى في الطريقة التي نستمتع بها بأوقاتنا.

لهذا فإن مسؤولية بناء الحياة الجميلة ليست مسؤولية وزارة واحدة.

وزارة السياحة تستطيع أن تفتح الطريق إلى جمال المكان، ووزارة الثقافة تستطيع أن تفتح الطريق إلى جمال الروح، وبينهما مساحة واسعة من العمل المشترك يمكن أن تجعل من سوريا وجهة للسائح، ومدرسة لأبنائها، وذاكرة لأبنائها في الخارج.

ونحن في مرحلة تحتاج إلى الكثير من العمل، ولا تزال أمامنا ملفات كثيرة تحتاج إلى البناء والإصلاح. ولذلك فإن التوازن هو الكلمة التي نحتاج إلى أن نضعها أمام أعيننا دائماً:

نبني ولا ننسى أن نفرح، ونفرح ولا ننسى أننا نبني.

فالإنسان الذي لا يجد قوت يومه لا يمكن أن تكون الأولوية في حياته للترفيه، والطفل الذي يحتاج إلى مدرسة يحتاج أولاً إلى أن يجدها، والأسرة التي تبحث عن الأمان تحتاج إلى الاستقرار قبل أي شيء. ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول صعوبة المرحلة إلى حياة بلا ثقافة ولا جمال ولا فرح.

إنها مسألة ترتيب وتوازن.

نريد ترفيهاً يحترم الإنسان، وثقافة تقترب من الناس، وسياحة تكشف جمال الوطن، وفعاليات تجعل الزائر يخرج وهو يقول: لقد رأيت سوريا بعين جديدة.

فلا نريد أن نبني البنيان وننسى الإنسان، ولا نريد أن نكثر من الفعاليات وننسى الأولويات.

نريد أن نسير في الطريقين معاً.

نبني المدرسة، ونفتح باب الثقافة.

نرمم المكان، ونحفظ الذاكرة.

نستقبل السائح، ونعرّفه بوطننا.

نمنح الشباب فرصة للفرح، ونمنحهم في الوقت نفسه ما يرفع وعيهم وذائقتهم.

فحين يصبح الترفيه جزءاً من الثقافة، والثقافة جزءاً من السياحة، والسياحة جزءاً من التنمية، نكون قد اقتربنا من الصورة التي نريدها:

إنسان متوازن، ووطن جميل، ومستقبل يُبنى بعقل واعٍ وقلب محب.