المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الصحافة.. شاهدة على التغيير أم صانعته؟

‫شارك على:‬
20

مع كل حدث في الحياة السورية الجديدة، بما تحمله من خصوصية وتعقيدات المرحلة الانتقالية، يعود السؤال ذاته: أين الصحافة؟

في الأيام القليلة الماضية. ومع ما شهدته بلدة عين منين في ريف دمشق، ثم استدعاء أحد الصحفيين السوريين إلى فرع الجرائم المعلوماتية، وما جرى في الجزيرة السورية شمالاً، وحوادث الخطف جنوباً، تكرر السؤال عن دور الصحفي والصحافة.

هل الصحفي صانع للتغيير أم شاهد عليه؟

مشارك بجولاته، أم ناقل لها، محرمة مشاعره، أم حبه مباح وضرورة؟

لماذا يصمت الصحفي ويتغيب عند كل موقف يحتاجه الناس، هل تقبل عذره بسياق الدور المهني المؤطر مؤسساتياً، أم نحثه على التجاوز والعودة لدوره كما في السنوات السابقة؟

الوصية الذهبية في المؤسسات الصحفية الكبرى تتجه دائماً إلى السلامة المهنية أولاً، ولاسيما في مناطق النزاعات والاستقطاب. ويسبق ذلك تدريب طويل ودورات مهنية مكلفة، غايتها أن يتمكن الصحفي من الوصول إلى جميع الأطراف، وأن يحافظ على ثقة الجميع، وأن يبقى قادراً على نقل الوقائع، لا أن يصبح طرفاً فيها.

فالصحفي ليس إحدى أدوات الصراع، ولا جزءاً من المنافسة السياسية أو المجتمعية. وحين يرتدي الخوذة والدرع الواقي، وتقبل الأطراف المتنازعة وجوده بينها، فإنه ينتقل إلى موقع الشاهد، ينقل أدق التفاصيل، ويعرض روايات الجميع، ويفتح الباب أمام الناس ليبنوا أحكامهم على الوقائع، لا على انفعالاته ومواقفه الشخصية.

لكن أليس الصحفي جزءا من المجتمع؟ أليس من حقه أن يغضب لقضايا شارعه؟

بلى، لكنه حين يكلف بتغطية الحدث يصبح ملزماً بأن يضع مشاعره جانباً. فإن تعذر عليه ذلك، فالأكثر مهنية أن يعتذر عن المهمة. فالصحفي الذي يدخل اي “اشتباك “حتى ولو ثقافياً كطرف فيه، لا يهدم صورته الفردية فحسب، بل يضع مؤسسته وزملاءه في دائرة الشبهة، ويحرم الجمهور من حقه في رواية موثوقة، ويمنح أطراف “النزاع” فرصة الطعن في كل ما ينشر.

الصحفي يستمع ويدقق ويمحص ويقاطع الروايات ويكشف التناقضات، لكنه يوقف تنفيذ الحكم. فإصدار الأحكام وظيفة القضاء، نعم هو قاض بكامل جهوزيته وادواره، يستمع للمتهم والمدعى عليه، يطلب الشهود، يقاطع الروايات، يطلب خبرات كل الصلاحيات منحت له، إلا إصدار الأحكام وتقييم الوقائع سياسياً واجتماعياً، فهو شأن المجتمع، بأحزابه، ومنظماته المدنية ونقاباته ونخبه، وشارعه. الصحفي بانحيازه للحقيقة يساعد الجميع، صوره، لقاطات كاميرته، اسئلته، أدواته، عوامل أهم لإحداث التغيير من مواقفه، دوما يتكرر النصح” دع المشهد يحك” المشهد يركز الانطباع والموقف للجمهور، الانحيازات والأقوال سريعة العطب.

فضيحة وترغيت في الولايات المتحدة قدمت المثال الأشهر؛ فالصحافة لم تسقط الرئيس ريتشارد نيكسون، ولم تقد المعارضة ضده، وإنما كشفت الوقائع ووثقتها، ثم تركت للقضاء والكونغرس والرأي العام أن يقوم كل بدوره. لقد أدت الصحافة واجبها في كشف الحقيقة، أما صناعة القرار والتغيير فبقيت مسؤولية المؤسسات والمجتمع.

وسائل التواصل الاجتماعي والترندات والخوارزميات “خلطت الحابل بالنابل” بعضهم يريد للصحفي أن يكون لاعباً محورياً فيها، يبث، يغرد، يعلن في الفيس بوك، هذه ليست وظيفة الصحفي ولا العاملين في مهنة المتاعب.

الصحافة والصحفي ليس بديلاً عن الأحزاب وبياناتها، ولا تقود المظاهرات، ولا تكتب بيانات الإدانة أو التأييد. هذه أدوار المجتمع المدني والقوى السياسية، أما الصحافة فتبقى المساحة التي يلتقي فيها الجميع، ويجدون فيها الوقائع كما هي، لا كما يريدها هذا الفريق أو ذاك.

لعل أكبر ما تحتاجه سوريا اليوم هو الحفاظ على هذا “المعبد الصحفي”. فإذا تحول الصحفي إلى ناشط، فقد الناشط من يروي قصته، وإذا تحول إلى سياسي، فقد السياسي من يحاسبه، وإذا تحول إلى خصم، فقد المجتمع شاهده الأمين.

ترسيخ دور الصحفي كخادم للجمهور، مهمة يجب الحفاظ عليها، رغم كل الدعوات المستعجلة لدفعه للانخراط والانحياز.

لقد اعتدنا، خلال سنوات الثورة والحرب، على صرخات النشطاء والمراسلين من ساحات الموت والتهجير: “أين أنتم يا عرب؟ خافوا الله يا عرب”. كانت تلك لحظة استثنائية فرضتها فظاعة ودموية مرحلة النظام البائد، ولها ظروفها ومبرراتها. أما اليوم، ونحن أمام مشروع بناء دولة ومؤسسات، فإن الحاجة أصبحت أكبر إلى صحافة تستعيد أدواتها المهنية، وتفصل بين الخبر والموقف، وبين الشهادة والمشاركة.

الخبر وظيفة الصحفي، الموقف قدر الناشط والحقوقي والسياسي، الشهادة كوقائع وظيفة الصحفي، بينما المشاركة بمشهد التحولات وآمالها ومآلاتها وظيفة السياسي وقادة الرأي.

التحدّي في سوريا اليوم ليس مواجهة عدوان خارجي، لنكرر ذات الأصوات” هذه هويتي وأعلن انشقاقي”، المشهد تغيّر وتحوّل ألف درجة، بتنا نخاف على طننا ونريد عودة المهجّر وإحقاق الحقوق والبناء للمستقبل، المشهد اليوم يتمثل بإدارة أوجه الخلاف الداخلي. والسؤال ليس فقط أين تطبق الدولة القانون بحزم، بل أيضاً أين تضع أجهزة الدولة “قدمها الثقيلة”؟ وأين تبقي “شعرة معاوية” حفاظاً على الثقة، واتساع المجال العام، وقدرة الناس على الاختلاف من دون خصومة؟ أجهزة الدولة ومؤسساتها تدار اليوم من أبناء الثورة ورجالها، نختلف على الطريقة والأداء وليس على الدولة ومستقبلها.

التجربة الإسبانية بعد وفاة الجنرال فرانكو تعدّ مثالاً يمكن قراءته؛ فقد احتدمت الخلافات حول شكل الدولة، والدستور، ومستقبل النظام السياسي، لكن الصحافة بقيت، في معظمها، مساحة للنقاش، ونقل الآراء، وكشف الوقائع، بينما تولّت الأحزاب والبرلمان والنقابات قيادة التفاوض وصناعة القرار.

الجميع يريد نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا، والصحافة أولهم، وكما يقال” أعط الخبز لخبازه لو أكل نصفه” فلا تزاحم الصحافة عمل المؤسسات والمجتمع، ولا تأخذ بدافع رغبتها مؤيدة أم معارضة دوراً ليس لها ولا تنخرط كطرف في الخلاف.

الثابت تاريخياً أن التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والمجتمع لم تصنعها الصحافة وحدها، بل صنعتها المجتمعات، والأحزاب، والنقابات، والحركات المدنية، بينما كانت الصحافة مرآة لهذه التحولات، تكشف عيوبها، وتفضح فسادها، وتحفز فضائلها، وتحفظ ذاكرتها.

فالصحافة لا تصنع التغيير، بل تمنحه الشهادة التي يحتاجها التاريخ، وتمنح المجتمع المعرفة التي يحتاجها ليصنعه.

هل الصحفي معفيّ من الدور؟

العكس، مسؤوليته مضاعفه، بجودة الخدمة والأداء والمهنية والأسلوب وترتيب الأولويات والبحث الدائم عن كل تفصيل يخدم الجمهور، لكن لعبة وسائل التواصل والمواقف ليست ملعبه.