المزيد

‫آخر الأخبار:‬

دمشق… حيث يعانق التاريخُ الحاضرَ ويصافحُ المستقبل

‫شارك على:‬
20

في الأيام الماضية، تكررت أمامي أحاديث عددٍ من الأصدقاء الذين زاروا دمشق وبعض المناطق السورية.
لم تكن أحاديثهم عن أماكن فحسب، ولا عن صورٍ التقطتها عدسات الهواتف، بل كانوا يتحدّثون عن إحساسٍ تركته تلك الزيارة في نفوسهم؛ عن جمال الأماكن، ومشاعر الناس، وعن مشاهدَ أعادت إليهم صورة سوريا التي عرفها العالم من خلال تاريخها وثقافتها وإنسانها.

كانوا يتحدّثون بإعجاب عن المسارح التي عادت تستقبل جمهورها، وعن اللقاءات الأدبية والأمسيات الشعرية التي تجمع أصحاب الكلمة والفكر، وعن الحياة التي بدأت تستعيد حضورها في الشوارع والساحات والمقاهي الثقافية. وكان واضحاً في حديثهم أن سوريا لا تُرى بالعين فقط، بل تُشعر بالقلب أيضاً.

ومن هنا، وجدت نفسي أستعيد صورة دمشق؛ المدينة التي لا تستقبل زائريها بمبانيها وحاراتها العتيقة وحدها، بل تستقبلهم بروحها التي تسكن التفاصيل؛ في أزقّتها، وأسواقها، ومسارحها، وقصائد شعرائها، وابتسامات أهلها.

فدمشق ليست مدينةً عابرة في ذاكرة التاريخ، بل هي حكاية حضارةٍ ما زالت تكتب فصولها. وحين تمشي في شوارعها تشعر أن الزمن يسير إلى جانبك؛ هنا المسجد الأموي، ذلك الصرح العظيم الذي يقف شاهداً على قرونٍ من الحضارة، يروي للأجيال قصة مدينةٍ عرفت كيف تحفظ هويتها، وكيف تجمع بين عبق الماضي ونبض الحاضر.

وفي أسواق دمشق القديمة، لا يشتري الزائر سلعةً فقط، بل يأخذ معه شيئاً من روح المكان؛ رائحة القهوة، وعبير الياسمين، وأصوات الباعة، وحكايات البيوت التي تختزن في جدرانها ذاكرة أجيال طويلة.

وحين يميل النهار إلى الغروب، ترتدي دمشق ثوبها الثقافي الجميل؛ فتفتح المسارح أبوابها، وتلتقي الأقلام في الندوات، وتزدان الأمسيات بالشعر، وتعود الكلمة لتأخذ مكانها الطبيعي في حياة الناس. فالأمم التي تقرأ، وتكتب، ويظل الشعر حاضراً في وجدانها، هي أمم لا تفقد طريقها إلى المستقبل.

ويأتي معرض دمشق الدولي ليكون أكثر من مناسبة اقتصادية؛ فهو موعد يلتقي فيه الناس، وتتقارب فيه الثقافات، وتُعرض فيه الأفكار والمشروعات، لتظهر دمشق مرة أخرى كمدينةٍ تعرف كيف تكون جسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن دمشق تبدأ رحلة الجمال إلى حلب؛ المدينة التي كلما ذُكرت حضر معها الإبداع. تقف قلعتها شامخةً تحرس ذاكرة المكان، وتبقى أسواقها شاهدةً على عراقة الحرفة والعمل، بينما تنساب القدود الحلبية بألحانها الأصيلة، فتملأ الروح دفئاً، وكأنها ليست مجرد موسيقى، بل ذاكرة مدينةٍ حفظت الفرح في نغماتها.

وفي حماة، تدور النواعير بهدوئها الجميل، كأنها تعزف للماء قصيدةً قديمة لا يملّها الزمن.
إنها ليست مجرد آلاتٍ تدور، بل رمزٌ للحياة والاستمرار، وشاهدٌ على مدينةٍ جعلت من الماء جزءاً من حكايتها.

أما حمص، فهي مدينة تجمع بين رحابة الأفق وسحر البادية، بين بساطة الحياة وكرم الإنسان.
هناك تجد الوجوه البشوشة، والمجالس العامرة، والقلوب التي تجعل الضيف يشعر أنه بين أهله منذ اللحظة الأولى.

وعلى الساحل السوري، ترسم الطبيعة لوحةً أخرى من الجمال؛ البحر بلونه الأزرق، والجبال بخضرتها، وغابات الصنوبر التي تُعطّر المكان، والشواطئ التي تستقبل الأمواج كما تستقبل القلوب الأحبة.

ثم تمضي الرحلة شرقاً إلى دير الزور، حيث يجري الفرات هادئاً شامخاً، يحمل في مياهه تاريخ الأرض وذكريات الناس.
هناك للضيافة معنى خاص، وللكرم حضور لا تخطئه العين. فأهل دير الزور عُرفوا بطيبة قلوبهم، وبساطة أرواحهم، ودفء مجالسهم؛ وكأن الفرات لم يروِ الأرض فقط، بل ترك شيئاً من صفاته في أهلها.

وفي الرقة، تستعيد الحياة إيقاعها، وتعود الساحات والفعاليات لتجمع الناس، وتبدأ المدينة كتابة فصل جديد من الأمل والعمل، مؤكدةً أن المدن التي يسكنها الإنسان قادرةٌ دائماً على أن تنهض وتبتسم.

إن جمال سوريا لا يكمن في آثارها وحدها، ولا في طبيعتها فقط، بل في الإنسان الذي يعيش فيها، وفي الثقافة التي تنبض بين جوانبها، وفي القصيدة التي تُلقى في أمسياتها، وفي المسرح الذي يفتح ستاره، وفي الزائر الذي يعود منها وهو يحمل ذكرى لا تشبه أي ذكرى.

فالأوطان الجميلة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالروح، وبالكلمة، وبالفن، وبالإنسان الذي يعرف قيمة المكان الذي ينتمي إليه.

وهكذا تبدو سوريا لوحةً واسعة الألوان؛ من المسجد الأموي في دمشق، إلى قلعة حلب، ونواعير حماة، وبادية حمص، وساحلها الساحر، وفرات دير الزور، ورحابة الرقة.
لوحةٌ اجتمعت فيها صفحات التاريخ مع جمال الطبيعة ودفء الإنسان.

مرحباً بكم في سوريا،
مرحباً بكم في دمشق؛ حيث يعانق التاريخُ الحاضرَ ويصافحُ المستقبل.