محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تبدأ جلستها السادسة من محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

قانون الإعلام الجديد.. من بقي خارج الطاولة؟

‫شارك على:‬

النقاش الجاري في المحافظات السورية والمركز، ممثلاً بوزارة الإعلام السورية واتحاد الصحفيين من جهة، والمئات من الصحفيين المستقلين والمنضوين في المؤسسات الإعلامية من جهة أخرى، حول مشروع قانون الإعلام الجديد، يبدو، حتى الآن، منقوصاً لعدة عوامل.

أهمها غياب شريحة واسعة من السوريين، سواء في الداخل أم الخارج ممن عاشوا سنوات الثورة والمنفى، وما زالوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من مستقبل هذا البلد، لا مجرد “جمهور متفرج” من بعيد.

وتقول القاعدة العامة: “من جهل الشيء عاداه”. لذلك فإن أي قانون لا يسبقه شرح كاف، ولا يفتح أبوابه للنقاش الواسع، سيولد سوء فهم قبل أن يولد اقتناعاً. وهذا لا يقتصر على السوريين داخل البلاد، بل يمتد إلى ملايين السوريين في المهاجر الذين يتابعون كل تفصيل يتعلق بوطنهم، ويشعرون بأن ما يصدر اليوم سيؤثر في مستقبلهم إن عادوا، أو في صورة البلد الذي ما زالوا يحملونه في ذاكرتهم.

قانون الإعلام ليس قانوناً عادياً، فهو يمس الصحفي والناشط والكاتب وصانع المحتوى، كما يمس المواطن الذي يريد أن يعرف أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ مسؤوليتها؟ لذلك فإن حساسية النقاش حوله مفهومة، خصوصاً بعد ثورة جعلت الحرية عنوانا رئيساً لشعاراتها، وقدمت أثماناً باهظة من أجلها.
القول المأثور: “من شارك الناس قاسمها أموالها” ينطبق هنا، ويمهد لشراكة وقناعة مع بذل الجهود الواجبة لتحقيق ذلك.
في الجانب المهني، تبدو حصة صحفيي المهجر في هذا النقاش محدودة جداً، إن لم تكن غائبة. والخشية ليست من غياب آرائهم فقط، بل من أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج انقسام قديم بين “صحفيي الداخل” و”صحفيي الخارج”، كأن السنوات الطويلة لم تكن كافية لطيّ هذه الصفحة. مثل هذا الانقسام لن يخدم أحداً، لأن القانون في النهاية لن يكتبه الصحفيون وحدهم، بل سيأخذ طريقه إلى مجلس الشعب، حيث ستكون الكلمة الأخيرة للمؤسسة التشريعية، سواء وافقت كل الأوساط الإعلامية أم لم توافق.

القصة، في الحقيقة، أبسط مما تبدو عليه. فلا أحد يطالب بأن يكتب صحفيو المهجر القانون، ولا أن يمتلكوا حق النقض عليه.. كل ما يطلبونه هو أن يُسمع صوتهم، وأن يشعروا بأنهم جزء من النقاش. ندوات عبر تطبيق “زووم”، أو لقاءات مباشرة تشرف عليها وزارة الإعلام أو اتحاد الصحفيين، لا تحتاج إلى ميزانيات كبيرة، لكنها قد تترك أثراً معنوياً أكبر من كثير من البيانات الرسمية.. فمجرد الدعوة إلى الحوار تحمل رسالة تقول: أنتم حاضرون في حساباتنا، ولسنا ننظر إليكم باعتباركم خارج المشهد. والمأثور يشدد: “ما خاب من استشار”.

في فرنسا وحدها يوجد مئات الصحفيين والناشطين والباحثين والحقوقيين والسوريين المهتمين بالشأن العام، ممن راكموا خبرات إعلامية وقانونية خلال سنوات اللجوء.

وينطبق الأمر ذاته على ألمانيا وتركيا والأردن ولبنان ودول الخليج وغيرها.. فهؤلاء لم ينقطعوا عن سوريا، بل ظلوا يتابعون أخبارها يوماً بيوم، وكتب كثير منهم، ودافع عن قضاياها في وسائل إعلام عربية وأجنبية، وبعضهم دفع أثماناً شخصية ومهنية بسبب مواقفه، لذلك يصعب فهم استمرار غيابهم عن أي نقاش يتعلق بمستقبل الإعلام السوري.

جدولة لقاءات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تكلف الكثير، لكنها تؤكد معاني الشراكة والتقدير، وتقلص مسافات سوء الفهم التي تراكمت خلال السنوات الماضية، كما تمنح الجميع شعوراً بأن الوطن يتسع لمن بقي فيه ولمن اضطر إلى مغادرته.

النقاش بين السوريين متعب، بل مرهق في كثير من الأحيان، وهذا أمر طبيعي بعد سنوات طويلة من الاعتقال والقتل والتهجير والانقسام، غير أن التعب لا يبرر إغلاق أبواب الحوار، بل يجعل فتحها أكثر إلحاحاً، فالدول لا تعيد بناء نفسها بالصمت، وإنما بالنقاش، حتى لو كان صعباً ومؤلماً.

في سياق النقاشات الجارية، لم يقتصر الأمر على غياب المهجر، فحتى داخل الجغرافيا السورية برزت ملاحظات عديدة، من بينها الغياب الواضح لكثير من الصحفيين الذين عملوا في المهنة قبل الثورة أو خلالها، أو جرى تغييبهم تحت عناوين مختلفة من قبيل: “هذه مرحلتنا”، رغم أن عدداً منهم لم توجه إليه أي تهمة، ولم يصدر بحقه أي حكم، ومع ذلك بقي خارج دوائر الحوار.

كما ظهرت فئة أخرى يمكن تسميتها بـ”حراس الحريات”، تضم ناشطين، ومواطنين صحفيين، ومؤثرين، ويوتيوبر، بعضهم بأسماء حقيقية وبعضهم بأسماء مستعارة، يرون أن من يناقش القانون اليوم لا يمثل إلا تياراً قريباً من السلطة، وأن النتيجة ستكون قانوناً يقيد الحريات بدل أن يحميها، وربما ساهم غيابهم عن المشهد والنقاشات في إيجاد هذه الانطباعات السلبية وتعزيزها.

أما خارج البلاد، فقد تشكلت كتلة رابعة تنظر إلى المشهد كله بعين مختلفة، ويستند أصحابها إلى الخبرات التي اكتسبوها في النقابات والمؤسسات الإعلامية في دول اللجوء، ويرون أنهم يمتلكون ما يستحق أن يُسمع.

والمفارقة أن كثيرين منهم لم يطّلعوا أصلاً على نص القانون، لأن المشروع لم يصل إليهم، ولأنهم ببساطة يقولون: “لم يسألنا أحد”.

في النهاية، ستصل كل هذه الآراء، المتفقة منها والمختلفة، إلى محطة واحدة هي مجلس الشعب ولجانه المختصة، باعتباره صاحب القرار في إقرار القانون أو تعديله، لكن ما يثير القلق ليس اختلاف الآراء بحد ذاته، بل اتساع الفجوة بين السوريين قبل أن يرى القانون النور. فالقوانين تنجح عندما يشعر الناس بأنهم كانوا جزءاً من الطريق إليها، حتى إن لم تتحقق كل مطالبهم.

شراكة النقاش حق للجميع، وهي أيضاً واجب على الجهات التي تسعى إلى بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

لكن يبقى السؤال: هل تعني الشراكة أن يوافق الجميع على القانون قبل إقراره؟ وهل وظيفة القانون أن يحقق الرضا الفردي لكل مواطن، أو لكل صحفي، لأنه ابن الثورة، أو لأنه عاش تجربة المنفى؟

ثمة رأي قانوني معتبر يقول: أقرّوا القانون أولاً، ثم افتحوا باب الطعن أمام المحكمة الدستورية إذا تبين أنه يخالف الإعلان الدستوري، فمعيار القوانين في الدول لا يقاس بمدى رضا الناس عنها، وإنما بشرعية إجراءات إصدارها، وانسجام نصوصها مع الدستور، وقدرتها على حماية الحقوق والحريات.
وربما يكون هذا التحدي الحقيقي أمام قانون الإعلام الجديد: ليس أن يحظى بإجماع مستحيل، بل أن يُولد من نقاش واسع يُشعر السوريين، في الداخل والمهجر، بأنهم كانوا جزءاً منه، لأن الشعور بالشراكة هو الخطوة الأولى نحو احترام القانون، حتى عند الاختلاف معه.